معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 644
ولا يملك أحد من الفريقين أن يشفع له شافع، ولو كان الشّافع من الملائكة أو النبيّين أو المرسلين، إلّا من كان في الحياة الدّنيا ممّن مات على إيمان صحيح مقبول عند اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه، فاتّخذ بما كسب في حياته الدنيا من عمل صالح عهدا عند ربّه، بأن يكون ممّن يأذن اللّه للشّفعاء يوم الدّين بأن يشفعوا له بشأن ذنوبه في حدود مرتبة التّقوى، أو بشأن تقصيراته بالنّسبة إلى حقوق ما فوقها من مرتبة البرّ، أو مرتبة الإحسان، حتّى يرتقي في دراجات جنّات النّعيم إلى درجات مرتبة الأبرار، أو إلى درجات مرتبة المحسنين العليا.
وقد جاء في القرآن المجيد تكميل لهذين المشهدين التّصويريّين، ومن هذا التّكميل بيان أنّ كلّا من الّذين كفروا، ومن الّذين اتّقوا يساقون زمرا، بحسب أحوال كلّ زمرة منهم في الحياة الدّنيا.
وهذا التكميل قد جاء في قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (الزّمر/ 39 مصحف/ 59 نزول) :
وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (73) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (74) .
دلّ هذا النصّ والنّصّ الذي من سورة (مريم) على أنّ كلّا من الّذين اتّقوا، والّذين كفروا، يساقون، ولكنّ الّذين اتّقوا يساقون سوق تكريم، كما تساق الوفود المكرّمة إلى الملوك، أمّا الّذين كفروا فإنّهم يساقون