معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 518
المراد بالأزمنة التي أقسم اللّه بها في السورة:
(1) لم يرد عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ما يدلّ على المراد من هذه الأزمنة الّتي أقسم اللّه عزّ وجلّ بها، ولسنا ملزمين بالآراء الاجتهاديّة التي ذكرها أهل التأويل.
(2) وقد نظرت فيما ذكره المفسّرون من أقوال اجتهاديّة، فلم أجد فيها قولا يتضمّن مناسبة بين الأزمنة الّتي أقسم اللّه بها، وبين الحديث عن إهلاك عاد وثمود وفرعون وجنوده، فلم ينشرح صدري لقول منها.
(3) ثمّ تتبّعت في القرآن الأزمنة الّتي أهلك اللّه بها هؤلاء الأقوام وأشباههم، فظهرت المناسبة جليّة واضحة، وتمّ لديّ بهذا الترابط بين المقسم به، والمقسم عليه، والّذين أقسم اللّه لتأكيد إنذاره لهم بالإهلاك المعجّل في الدنيا.
وفيما يلي بيان هذا التتبّع:
* لقد أهلك اللّه عزّ وجلّ عادا قوم هود عليه السّلام بريح صرصر عاتية، سخّرها عليهم سبع ليال وثمانية أيّام حسوما، كما قال اللّه عزّ وجلّ في سورة (الحاقة/ 69 مصحف/ 78 نزول) :
وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (6) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (8) :
بريح صرصر: أي: بريح باردة ذات صوت شديد مخيف.
يقال لغة: صرصر: أي: صاح صياحا شديدا فيه صرير.
عاتية: أي: طاغية متجاوزة حدّ الاحتمال، فهي مدمّرة، يقال لغة:
عتا يعتو عتوّا وعتيّا وعتيّا، أي: طغى واستكبر وجاوز الحدّ، فهو عات.