فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 56

(كلا:) أداة ردع وزجر، هذا هو الأصل فيها.

أقول: والزّجر الموجّه من اللّه عزّ وجلّ هنا يقتضي مزجورا ومزجورا عنه، ولا يعقل أن يكون الزّجر موجّها للرّسول ولا للذين يؤمنون به ويتّبعونه، فلا بدّ أن يكون الزّجر للذين يرفضون الاستجابة لهذه الرسالة ويعترضون عليها، فإيراد أداة الزّجر يتضمّن الإشارة إليهم.

ومن تدبّر ما جاء بعد عبارة الزّجر من بيان ندرك أنّه قد جاء ردّا على الاعتراض الذي يوجّهه الرّافضون، ومن مضمون الرّدّ ندرك مضمون الاعتراض المطويّ الذي لم يفصح عنه النّصّ.

إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (7) .

هذا النصّ قد جاء بمثابة التعليل للحكمة من إنزال رسالة ربّانيّة، على رسول من البشر، ودعوة النّاس لاتّباعها، بقيادة الرّسول، أي: فلو لا إنزال الرّسالة الّتي تتضمّن تعريف الناس بالحقّ والباطل، والخير والشّر، وتعريفهم بالصّراط المستقيم، لطغى من يشعر بالاستغناء منهم، ولم يجد رادعا يردعه عن طغيانه، وبالطّغيان الّذي تتعدّد جهاته في النّاس يحدث التّقاتل وسفك الدّماء، وفساد في الأرض عريض، وظلم وبغي وعدوان، وهذا يحتاج إلى جيش من المؤمنين برسالة اللّه لعباده، يوقفون شرور الطغيان، ويحدّون من تفاقم العدوان، ويحتاج إلى بيانات تحذّر من عقاب اللّه في الدنيا والآخرة، وتبيّن للناس أنّهم ممتحنون في الحياة الدنيا، وأنّهم لا بدّ أن يرجعوا يوم الدين إلى بارئهم، ليحاسبهم، ويفصل القضاء فيهم، ويجازيهم على أعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ.

أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (7) : الفاعل والمفعول به في عبارة"رآه"واحد، أي: رأى من ذاته أنّه استغنى، وهذا من أفعال القلوب الّتي يصحّ فيها أن يكون ضميرا الفاعل والمفعول به واحدا، ومنها:"حسبتني- وظننتني-".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت