معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 530
وبهذا استكملت الصورة تعبيراتها المقصودة بالبيان.
هذا أوّل عرض قرآنيّ نزل بشأن إهلاك أمم ماضية كذّبت رسل ربّها، وطغت في البلاد، وأكثرت في الأرض الفساد، وهو عرض موجز غاية الإيجاز، ثمّ نزلت في القرآن بعد هذا تفصيلات متتابعات، كلّ منها يلائم المناسبة التي ورد بشأنها.
* إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (14) :
هذا هو المقسم عليه في السورة، إذ بدأت بالقسم بالفجر، وليال عشر، والشّفع والوتر، واللّيل إذا يسر.
المرصاد: هو مكان الرّصد أو طريقه، الرّصد هو المراقبة التامّة لأمر ما، دون سهو أو غفلة، لئلا تمرّ لحظات يفلت فيها المرصود ويخرج عن ساحة المراقبة.
فراصد النجم يتابع حركته وظهوره واختفاءه، والأسد يرصد فريسته، والحرّاس يرصدون الطرقات من حولهم يترقّبون، حتّى لا يداهم المحروس عدوّ أو لصّ.
وهذا التّعبير القرآنيّ: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (14) كناية عن مراقبة اللّه للمجرمين دواما، في كلّ الأزمان حتّى أقصر وحداتها وأصغرها، مع شمول علمه لكلّ حركة وسكنة من حركاتهم وسكناتهم، وبما أنّه حكيم عدل منتقم جبّار، وله سنّة في عباده ثابتة لا تبديل لها ولا تحويل فيها، كما جاء التصريح به فيما نزل من قرآن بعد هذا في عدّة سور، فإنّه سينزل عذابه وإهلاكه على المجرمين اللّاحقين، كما أنزله على المجرمين السابقين.
وفي هذا إلماح إلى إنذار ووعيد بعذاب وإهلاك لكلّ المجرمين، متى وصلت حالتهم إلى مثل الحالة التي وصل إليها المعذّبون المهلكون الغابرون.