معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 529
هذا وصف لعاد وثمود وفرعون وقومه، فكلّ هؤلاء قد طغوا في البلاد، وأكثروا فيها الفساد، بظلمهم وعدوانهم وسيّئات أعمالهم.
الطغيان: تجاوز الحدّ المقبول أو المحتمل، إلى مستوى الإضرار الفاحش والإفساد الكثير، والظّلم والجور والبغي والعدوان.
يقال لغة: طغى يطغى طغيا وطغيانا، أي: جاوز الحدّ المقبول، وطغى الماء، إذا فاض وتجاوز الحدّ فأفسد.
الفساد: التلف، والعطب، وتحوّل الشيء من كونه صالحا نافعا، إلى كونه غير صالح ولا نافع، بل ربّما يصير ضارّا كريها مفسدا للأشياء الصالحة. يقال لغة: فسد اللّحم إذا أنتن وصار ضارّا، وكذلك كلّ شيء يتحوّل إلى كونه مؤذيا أو ضارّا فقد فسد.
* فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (13) :
يقال لغة: صبّ فلان الماء على الأرض مثلا، إذا سكبه وأفرغه دفعة واحدة من الإناء الذي هو فيه. فالصّبّ جعل الشّيء يتهاوى من علو بتتابع على أكثر ما لديه من اندفاع وسرعة.
والسّوط: هو ما يضرب به من جلد للتّعذيب.
في هذه الآية استعارة فعل"صبّ"للدلالة على إنزال العذاب بتتابع وعنف كما يصبّ الماء من الإناء على رؤوس الذين يصبّ عليهم، واستعارة لفظ"سوط"للأدوات الرّبّانيّة الّتي أهلك اللّه بها هؤلاء الأقوام، إذ شبّه إنزال العذاب عليهم بتتابع بحركة الصّبّ، وشبّهت أدوات التعذيب الرّبّانيّة بالسّوط. وأضيف لفظ"سوط"إلى كلمة"عذاب"لبيان أنّ إهلاكهم لم يكن مجرّد إماتة لم تقترن بشعورهم بآلام العذاب النازل عليهم، بل كانت مقرونة بإذاقتهم عذابا شديدا.