معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 534
والمراد من الإنسان الجنس الّذي ينطبق على معظم أفراده، ولا يراد به من آمن باللّه وأسلم له، وفهم حقيقة حكمة اللّه في عطائه ومنعه، ونعمه ومصائبه، في ظروف الحياة الدنيا، وأنّ القاعدة العريضة في كلّ ذلك الابتلاء، فهذا الإنسان لا يجري وراء توهّماته، فلا يقول مقالة الجاهلين.
ولا تشمل عبارة (الإنسان) هنا الكافر والملحد الذي يرى أنه نال أمواله بعلمه ومهارته، أو بمصادفة حظ.
* إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ: أي: إذا امتحنه اللّه ربّه المهيمن عليه بسلطان ربوبيّته، و"ما"بعد إذا تأكيديّة لمعنى الشرط، أو لفعل الشرط.
مادة الابتلاء تدلّ في أصل معناها على الامتحان والاختيار، لكشف ما لدى المبتلى من صفات كامنات، بعمل إراديّ ذي أثر يدرك في النفس، أو في حركات وتصرّفات الجسد الإراديّة، ويكون الابتلاء بالنعم وبالمصائب.
* فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ: فأكرمه: أي: فجعله بعطاءاته له مترفّعا عن الحاجة إلى الناس، واستجداء صدقاتهم ومعوناتهم.
ونعّمه: أي: جعله يتنعّم بما أعطاه من وسائل التّرفّه في الحياة الدنيا، يقال لغة: نعّم اللّه الإنسان، أي: أفاض عليه نعما وأرزاقا وخيرات، جعلته يستمتع بلذّاتها في حياته.
ومن فعلي:"أكرمه ونعّمه"ومقابلتهما بقوله: [و من قدر عليه رزقه] نفهم أنّ المراد وسّع له رزقه.
* فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وفي قراءة [أكرمني] : أي: أعطاني ما أنا له أهل من تكريم وتعظيم ومكانة عالية.
يقال لغة: أكرم فلان فلانا إذا عظّمه ونزّهه وشرّفه. والعبارة تدلّ بإيحائها على أنّ القائل يشعر باستحقاقه لهذا التكريم.