فهرس الكتاب

الصفحة 517 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 533

الفاء في: (فأما) دلّت على أنّ ما بعدها مفرّع عن شيء جاء بيانه في الدرس الأول من السّورة.

وبالتأمّل يظهر لنا أنّ قول اللّه عزّ وجلّ في آخر الدرس الأول: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (14) دلّ على أنّ الناس لو لم يكونوا موضوعين في الحياة الدنيا موضع الامتحان لما كان اللّه لهم بالمرصاد.

وكون الناس موضوعين في الحياة الدنيا موضع الامتحان، يقتضي أن يكونوا ممتحنين بقضيّة بسط الرزق وتوسعته، أبو بتضييقه وتقليله، وذلك بحسب خصائصهم النفسيّة الّتي فطرهم اللّه عليها، ضمن أمور كثيرة جدّا امتحنهم اللّه ويمتحنهم بها، ولكنّ البيان هنا وجّه العناية لقضية الأرزاق لأهمّيتها عند الناس، وللحاجة إليها دواما، ولأنّ بذل المال ابتغاء مرضاة اللّه من المطالب الأولى في سلوك الإنسان المؤمن المسلم، ويأتي بعد الصلاة للّه مباشرة.

أي: فتفريعا على كون الناس ممتحنين بكلّ عطاء من اللّه أو منع في ظروف الحياة الدنيا، يشاهد المتتبّع الخبير أنّ الناس غافلون عن حكمة اللّه في ابتلاء الناس، ويتوهّمون أنّ توسعة الرزق لبعض الناس تكريم من اللّه لهم، وأنّ تضييقه على بعض عباده إهانة من اللّه لهم.

وكلمة: [أمّا] حرف فيه معنى الشرط والتوكيد دائما، وفيه معنى التفصيل غالبا، وتكرّر كثيرا حينما تحمل معنى التفصيل، كما جاء هنا في السورة.

إنّ الحكمة من البسط والتّضييق هي الابتلاء، أي: الامتحان والاختبار. لكنّ الإنسان أخطأ الفهم عن اللّه، وأخطأ في تعليل تصاريفه في خلقه، فأبعد عن ذهنه حكمة الامتحان وقدّم من توهّمه تعليلا تفصيليّا آخر، فزعم أنّ بسط الرّزق تكريم من اللّه لعبده، وأنّ تضييقه إهانة من اللّه له.

وكلا التوهّمين باطل يستحقّ صاحبه عليه الزّجر والرّدع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت