فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 209
وعلى هذا ففعل:"أبصره"مثل فعل:"بصّره"أي: جعله يبصر.
فالمعنى على هذا: فلمّا جاءتهم آياتنا مبصّرة لهم بأنّ موسى وهارون رسولان من ربّهما صادقان، وبأنّ ما جاءا به من قضايا الدين حقّ وصدق يبلّغانه عن اللّه ربّ العالمين.
قالُوا هذا سِحْرٌ، أي: ما جاء به موسى وأخوه هارون نوع من أنواع السّحر الكبرى، الّتي لم يتوصّل إلى معرفتها سحرة مصر كلّهم.
مُبِينٌ: أي: واضح جليّ، من فعل:"أبان الشّيء إبانة فهو مبين"أي: ظهر ووضح وكان جليّا.
وَجَحَدُوا بِها: أي: أنكروها، مع علمهم علما يقينيّا بأنّها حقّ، أي: أنكروا كونها آيات من عند اللّه رب العالمين.
الجحود: هو إنكار كون الشيء حقّا، مع العلم بأنّه حقّ.
يقال لغة:"جحد، يجحد، جحدا، وجحودا"أي: أنكر الحقّ مع العلم بأنّه حقّ، ويقال:"جحده حقّه، وجحده بحقّه"فالباء في [وَ جَحَدُوا بِها] استعمال عربيّ، ولا حاجة إلى البحث عن الغرض من ذكر الباء في العبارة، فهي للتعدية.
وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ: أي: وعلمت أنفسهم علما يقينيّا لا شكّ فيه أنّها آيات من آيات اللّه ربّ العالمين حقّا.
"اليقين": هو العلم الذي لا شكّ فيه، وأدنى درجاته ما اعتمد على أدلّة نظريّة فكرية. أو خبريّة صادقة لا يعتريها شكّ.
وجاء استعمال لفظ"أنفسهم"وهو من جموع القلّة، إشارة إلى أن أصحاب هذا الاستيقان هم فرعون وآله وأعوانهم المخلصون لهم، مثل:
هامان، وقارون، وهؤلاء قليلون يناسبهم جمع القلة، وهم الذين جحدوا آيات اللّه البيّنات ظلما وعلوّا.