فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 226
المقت: أشدّ الكراهية.
كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35) :
الطّبع على القلب: جعله محجوبا عن إدراك شيء ما يتعلّق بما هو محجوب عنه.
الطّبع في المادّيّات المحسّة كالختم، وقد كان من عادة الملوك وغيرهم، إذا أرسلوا رسائل وأرادوا المحافظة على سرّيّة ما فيها، أقفلوها بإحكام، ووضعوا عند مكان إقفالها طينا خاصّا يطبعون عليه خاتمهم الخاصّ بهم، فيجفّ الطين ومثال الخاتم مطبوع عليه، فلا يمكن معرفة ما في داخل الرّسالة إلّا بكسر خاتم الطين.
وعلى سبيل التشبيه والتوسّع في التعبير جاء في القرآن التعبير بالطبع والختم على القلوب، للدّلالة على أنّها صارت محجوبة عن إدراك شيء ما يتعلّق بما هي محجوبة عنه.
وطبع اللّه عزّ وجلّ على قلب العبد، يكون نتيجة لما يكسبه العبد بإرادته الحرّة، من أعمال ظاهرة وباطنة، يتولّد عنها بمقتضى سنّة اللّه في قوانين الأسباب والمسبّبات الثابتات نتيجة الطّبع، وهذه القوانين إنّما تتحقّق نتائجها بخلق اللّه عزّ وجلّ، كإماتة اللّه من يقتل نفسه بحديدة، أو يحتسي شرابا فيه سمّ قاتل.
فالمعنى: مثل ذلك الطبع الّذي طبعه اللّه على كلّ قلوبكم، فحجبكم عن إدراك الحقّ الرّبّاني، بسبب كبركم، وحرصكم الشديد على العلوّ في الأرض، وبسبب جبروتكم وقهركم الظالم لعباد اللّه، يطبع اللّه على كلّ جوانب قلب متكبّر جبّار، فلا يكون في جانب منها مقدار غير محجوب تدخل منه أنوار الهداية الرّبّانيّة إليه، وهذا من سنن اللّه في عباده المتكبّرين الجبّارين.