فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 228
ألّا أنّ مكر اللّه كان أسرع من مكره، وكيد اللّه كان أشدّ من كيده، فأحبط تدبيراته، واستدرجه إلى متابعة بني إسرائيل الّذين خرجوا من مصر دون أن يأذن لهم بالخروج، وأغرقه اللّه وأغرق جيشه في البحر.
وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ... (37) :
هذا بيان ربّانيّ جاء تعليقا على مراوغة فرعون.
أي: ومثل ذلك التزيين الّذي زيّنه الشيطان لفرعون في مراوغته بأمره لهامان ببناء الصّرح للاطلاع إلى إله موسى، بغية قطع دعوة المؤمن من آله، في مجلس وزرائه وأهل مشورته، زيّن له أيضا سوء عمله الّذي يعمله دواما، لتحقيق أهوائه وشهواته، وفرض سلطانه الاستبداديّ على شعبه، وسلطانه الاستعباديّ لشعب بني إسرائيل، وسوء عمله الّذي دبّره ضدّ المؤمن من آله. وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ: أي: وصرف بضواغط نزعاته وأهوائه، وبوساوس الشيطان وتسويلاته عن السّبيل، الذي هو صراط اللّه المستقيم، عقيدة، وقولا، وعملا، وخلقا، ظاهرا وباطنا.
وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ (37) :
الكيد: التدبير لتحقيق أمر ما، بحقّ أو بباطل، بخير أو بشرّ.
التباب: الانقطاع، وقد يعقب الانقطاع الخسران والهلاك. والمراد هنا الانقطاع عن تحقيق ما يرجو فرعون من الكيد الذي كاده ويكيده، لأنّ كيده قد كان بباطل وشرّ، إذ سيخيّب اللّه أموره ومساعيه الظّالمة الآثمة، فلا يتحقّق له في النتيجة ما كان يروم.
وقد دلّت هذه العبارة باللّوازم الذهنيّة، ودلائل اقتران البيان بالبيان، على أنّ فرعون كاد المؤمن من آله، ليتخلّص منه بالقتل، دون أن يثير سائر آله عليه، لكنّ كيده انقطع فلم يتحقّق له ما أراد.