فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 240
فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ ... (103) :
أي: فأراد فرعون أن يستفزّ بني إسرائيل من الأرض.
يقال لغة:"استفزّه يستفزّه"أي: استخرجه، وختله حتّى ألقاه في مهلكة. وهذا المعنى هو المناسب هنا.
ويأتي فعل"استفزّه"بمعنى استخفّه بالمخيفات والمفزعات.
فما الذي أراده فرعون؟
نظرت في جملة النصوص فوجدت أنّ فرعون وملأه وسائر القبط، قد كانوا شديدي الحرص على إبقاء بني إسرائيل في مصر، لتسخيرهم في أخسّ المهن والأعمال وأحقرها، وفي أكثرها مشقّة وإعناتا.
ووجدت أنّ موسى عليه السّلام، قد ألحّ عدّة مرّات في مطالبته لفرعون بأن يسمح لبني إسرائيل ويأذن لهم بالخروج خروج هجرة جماعيّة من مصر، وعودتهم إلى الأرض الّتي قدم منها أجدادهم أيّام يوسف عليه السّلام قبل أكثر من أربعة قرون، كما ذكر الإسرائيليون.
فلا يتلاءم مع هذا تفسير استفزاز فرعون لبني إسرائيل من الأرض بإخراجهم من كلّ أرض مصر، لأنّ هذا هو أحد مطالب موسى عليه السّلام بشأن بني إسرائيل، وهو ما يرفضه فرعون وملؤه وسائر القبط بشدّة، فبنو إسرائيل قد كانوا مستعبدين حينئذ في مصر لهم، فكيف يسمحون لعبيدهم بالخروج منها خروجا نهائيّا.
وهنا أرى أنّه ليس من المقبول عقلا أن تكون إرادة فرعون موجّهة لاستفزازهم، بمعنى إخراجهم وطردهم من كلّ أرض مصر.