فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 239
التكوين، وهذه الآيات قد أنزلها حالة كونها بصائر، فأنت تخاف من نقمته إذا عزمت على أن تمسّني بسوء، وأنا أدعوك وأدعو قومك إلى الإيمان به، والإسلام له، هذه هي حقيقة ما يمنعك عن الفتك بي.
هؤُلاءِ:"ها"للتّنبيه،"أولاء"اسم إشارة يستعمل غالبا للمشار إليهم من ذوي العلم. ويستعمل لغة أيضا بقلّة للإشارة إلى جمع غير ذوي العلم كما هنا، والغرض البلاغيّ تنزيل الآيات منزلة معلّمين يقدّمون براهين تدلّ على طائفة من صفات اللّه العظمى، وتدلّ على صدق الرّسول الذي أجراها اللّه له، فهي بصائر.
بَصائِرَ: جمع"بصيرة"وتأتي هذه الكلمة في اللّغة للدلالة على عدّة معان، منها معنى:"الحجّة والبرهان"وهذا المعنى هو المناسب هنا.
ونصب [بَصائِرَ] على أنها حال، أي: حالة كونها بصائر.
وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (102) :
أي: وإنّي لأظنّك يا فرعون مهلكا من قبل ربّك ربّ السّماوات والأرض، بسبب إصرارك على الكفر به، وإصرارك على اعتبار آياته نوعا من أنواع السّحر، وإصرارك على تكذيب رسولي ربّك، والتكذيب بما جاءا به عنه. إنّ أعمالك هذه تقدّم ظنّا راجحا بأن اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه- سيهلكك، جريا على سنته في عباده الكافرين المجرمين.
هذا الخطاب العنيف من موسى عليه السّلام لفرعون، جاء بعد عدّة سنين كان يتلطّف معه فيها، ويخاطبه بخطاب ليّن رفيق، لا عنف فيه ولا شدّة، وكان يكتفي بالكنايات، وبالإشارات المغلّفات بأدب الخطاب.
مَثْبُورًا: أي: مهلكا من قبل ربّك. الثّبور: الهلاك. يقال لغة:
"ثبر فلان، يثبر، ثبرا، وثبورا"أي: هلك وانصرف من عالم الأحياء.
ويقال أيضا:"ثبره اللّه يثبره"أي: أهلكه.