فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 238
ولدى مراجعتي لأسفارهم وجدت الحديث عنها مدوّنا في سفر الخروج، في الإصحاحات:"السّابع- والثامن- والتاسع- والعاشر".
إِذْ جاءَهُمْ: أي: إذ جاءهم موسى عليه السّلام بكلّ الآيات التّسع، وليس المراد إذ جاءهم أوّل قدومه من مدين، بعد مكالمة اللّه له عند جبل الطور حاملا رسالة ربّه، بدليل قول اللّه عزّ وجلّ في النّصّ:
فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا (101) إذ جاء هذا القول معطوفا بالفاء الّتي تدلّ على الترتيب مع التعقيب، وهذا التعقيب لم يكن إلّا بعد إجراء الآيات التّسع كلّها في مصر، طوال عدّة سنين.
أي: إنّ جرأتك يا موسى علينا بوصفك رجلا من رعيّتنا، إذ تقابلنا بندّيّة، لا تكون إلّا من إنسان فاقد لوعيه، غير مدرك لقدرتنا على قتله في أيّة لحظة، وفقد الوعي هذا بعد أن ثبت لنا أنّك غير مجنون طوال قيامك بدعوتك في مصر، وإجرائك السّحريّات الكبرى الّتي تسمّيها آيات بيّنات من ربّ العالمين، وهي التّسع الّتي أجريتها، فهذه الجرأة النّدّيّة لا تكون إلا من إنسان مسحور، فاقد لوعيه الإراديّ، بتأثير السّحر، غير مقدّر للعواقب الوخيمة التي يعرّض نفسه لها، إذ يواجه ملكا قادرا على الانتقام منه بجرأة مستنكرة جدّا.
أقول: إنّ فرعون لو لا خوفه على نفسه من آيات موسى الخوارق، ولو لا يقينه بأنّ ما جاء به حقّ من ربّه وليس سحرا، لما تردّد في قتل موسى، ولما تأخّر لحظة واحدة عن تنفيذ ذلك.
قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ ... (102) :
أي: ليس صبرك عليّ مبنيّا على اعتقادك بأنّي مسحور، بل لأنّك موقن في قرارة نفسك بأنّه ما أنزل هذه الآيات التّسع إلّا ربّ السّماوات والأرض، الّذي بيده ملكوت كلّ شيء، وهو القدير على ما يشاء بأمر