معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 279
بيّنّاها لكم، فلا تدّخروا من المنّ إلى صباح اليوم التالي شيئا، باستثناء اليوم السادس الذي يعقبه السّبت وهو يوم لا عمل فيه، فإنكم تجمعون فيه ما يكفي حاجتكم ليومين فقط، وسأحفظه لكم من الفساد. فقد جعلنا رزقكم من المنّ على مقدار حاجة كلّ فرد منكم، يوما فيوما، فمن ادّخر منه شيئا على خلاف أمري فقد عصاني، وطغى، أي: وتجاوز الحدّ الذي حدّدته.
فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي: أي: ومن طغى بتجاوز الحدّ الذي حددته فادّخر من المنّ ما لم آذن بادّخاره حلّ عليه غضبي، أي: نزل عليه حالّا به غضبي، لأنّه عصاني فيما أوليته من نعمة.
والمراد بحلول الغضب حلول آثاره من الانتقام العقابي، ومنه العقاب النفسيّ الذي يحدث في النّفس القلق والاكتئاب والكدر ونحو ذلك.
وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (81) : أي: فقد سقط مهواة سقوطا مخيفا جدّا، كالسقوط إلى واد سحيق، أو في بئر شديدة العمق.
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى (82) :
هذا بيان خاطب اللّه عزّ وجلّ به بني إسرائيل إبّان إنعامه عليهم بتنزيل المنّ والسّلوى لإطعامهم، وإبّان تكليفهم تكليفا تعبّديّا أن لا يدخروا من المنّ شيئا على ما سبق بيانه آنفا.
ويظهر لي من هذا البيان، أنّ الغفران عن المعصية في الشريعة المنزلة على بني إسرائيل حينئذ، قد كان من شروطه ما يلي:
(1) التوبة من الذّنب الّذي ارتكبه الإسرائيليّ.
(2) تجديد الإيمان بما يجب الإيمان به من عقائد وشرائع ثابتة