معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 289
أن يمنعهم من عبادة العجل بالقوّة، فكادوا يقتلونه، إذ كان هارون عليه السّلام في نظرهم ليّنا ضعيفا، بخلاف موسى عليه السّلام، فقد كانوا يرهبون سطوته رهبة شديدة، إذ رأوا من العجائب التي أجراها اللّه له فلق البحر، ونجاتهم، وإغراق فرعون وجنوده معه.
وكذب الإسرائيليّون في اتّهامهم هارون بأنّه هو الذي صنع لهم العجل الذّهبي، وهو ما جاء في الإصحاح (32) من سفر الخروج.
وأخبر اللّه عزّ وجلّ نبيّه ورسوله موسى عليه السّلام، بما صنع قومه من بعده من اتخاذ العجل وعبادته.
فرجع إليهم بعد نهاية الأربعين ليلة غضبان أسفا، وحين رأى بعينيه العجل الذّهبيّ وعبادة جمهور قومه له، استشاط غضبا وحزنا، وألقى الألواح من يديه. وقال لهم: بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أمن أجل عشر ليال زادت في ميقات ربّي، لعبت بكم الأوهام، وانقلبتم على أعقابكم خاسرين، واتّخذتم وثنا إلها؟!.
وأخذ موسى عليه السّلام يحاسب أخاه هارون عليه السّلام بعنف، إذ لم يكن قويّا حازما معهم، فاعتذر هارون عليه السّلام بأعذار صحيحة أبان فيها أنّه لم يستطع أن يردّهم عمّا فعلوا وأنّهم كادوا يقتلونه.
فقبل موسى عذر أخيه، دون أن يكون على قناعة تامة، ودعا ربّه أن يغفر له ولأخيه، وأن يدخلهما في رحمته وأثنى على ربه بأنّه أرحم الرّاحمين: انظر الآيتين"150"و"151"من سورة (الأعراف) .
ولمّا هدأ غضب موسى عليه السّلام أخذ الألواح بعد أن كان ألقاهما على الأرض من شدّة غضبه، وقام بتحريق العجل الذهبيّ، وأمر ببرده بالمبارد كا جاء عند الإسرائيليين، حتّى تصير أجزاؤه ناعمة كالدّقيق، ثمّ أمر بنسف دقيقه في اليمّ.