فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 292
قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي: أي: إنّي أمرتهم بأن يلحقوا بي، لشهود ما يجري في هذا الميعاد، ولم أقصّر في واجب تبليغهم، وقد ولّيت عليهم أخي هارون، فهم في تقديري سائرون على أثري.
يقال لغة:"سار على أثره"أي: سار متّبعا له يسير على مواطئه.
ويقال لغة:"سار في أثره"أي: سار في الطريق الذي تظهر فيه آثار سيره.
وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (84) : أي: وأسرعت مقبلا إلى مكان مناجاتك ربّ لأظفر برضاك، اجتهادا منّي بأنّ هذا الاستعجال يرضيك عنّي، ولم تكن لي رغبة في الانفراد بمناجاتك، دون حضور قومي هذا التكريم العظيم الّذي كرّمتني به، ورغبت أن يكون لقومي مشاركة في هذا الحدث التكريميّ، تفصّلا منك عليهم.
قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُ (85) :
أي: قال اللّه عزّ وجلّ لموسى عليه السّلام، فإنّا قد امتحنّا قومك من بعد مفارقتك لهم، وغيابك عنهم، ويظهر أنّ هذا القول قد كان أثناء المدّة المضافة إلى اللّيالي الثلاثين، والّتي دخلت فيها الظّنون التشكّليّة على جمهور بني إسرائيل الغوغائيّين، والّتي صنعوا فيها العجل الّذهبيّ وصاروا يعبدونه، والّتي أضلّهم فيها السّامريّ.
وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ: أي: وأغراهم، فأغواهم، فأوقعهم السّامريّ في الضّلال.
الإضلال: يأتي في اللّغة للدّلالة على عدّة معان، منها الإغواء بمختلف وسائل الإغواء القوليّة الزّخرفيّة، والعمليّة التي تسترضى بها الأهواء والشهوات، ونوازع النفوس ونوازغها ودوافعها، لمجافاة الحقّ، والتزام الباطل، ومجافاة الصراط المستقيم، والانطلاق في متاهات الظّلم والبغي والعدوان، والفجور في الأرض، للاستمتاع بزينات الحياة الدنيا.