معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 301
لقد سأل موسى أخاه هارون، عن المانع له من اتّباعه إلى جانب الطّور، إذا كان في الواقع أمر مانع. وسأله أيضا عن الحامل له على عدم اتّباعه، إذا كان يوجد في الواقع أمر حامل.
واختصارا في التعبير ضمّن فعل:"منع"معنى فعل:"حمل"فعدّي تعديته، فأغنت الجملة الواحدة عن جملتين، والتقدير: ما منعك عن اتّباعي، وما حملك على عدم اتّباعي.
تَتَّبِعَنِ: أصلها:"تتّبعني"حذفت ياء المتكلّم إيجازا في اللّفظ، وهي ملاحظة ذهنا، ونظير هذا الحذف كثير في اللّسان العربي، وفي القرآن منه كثير.
أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي؟: أي: أاستهنت بي فعصيت أمري الّذي أمرتك به إذ استخلفتك على بني إسرائيل.
الفاء عطفت على محذوف، والمناسب هذا:"استهنت بي"أو نحو هذه العبارة.
قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94) :
يَا بْنَ أُمَّ: أي: يا ابن أمّي، وهذا أحد وجوه جائزة في نداء"ابن أمّ"إذ يجوز إثبات ياء المتكلّم، ويجوز حذفها والاجتزاء بالكسرة، ويجوز فتح الميم على أن لفظ"أمّ"مركّب مع"ابن"تركيبا مزجيّا. ولا يكادون يثبتون ياء المتكلم في هذه العبارة، ولا الألف بعد الميم عوضا عن الياء، إلّا في الشعر.
أضاف هارون عليه السّلام أداة النداء"يا"في هذه الإجابة على الإجابة الأولى، التي جاء بيانها في نصّ سورة (الأعراف) للتّشديد على استعطاف أخيه، وتنبيهه على أنّهما ابنا أمّ واحدة.