معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 311
القرآن الكريم ذكرا للعالمين جميعا، فهو تذكرة نافعة لمن يخشى عقاب اللّه وعذابه، كما جاء في الآية (3) من صدر السورة.
وَقَدْ: جاء التحقيق بحرف"قد"مراعاة لأحوال الشاكّين من الناس بأنّه ذكر للعالمين، والمعرضين عن بياناته ووصاياه وتعليماته وترغيباته وترهيباته.
إنّه ذكر للعالمين جميعا، لكنّ المنتفعين به هم الذين يخشون عذاب ربّهم وعقابه.
آتَيْناكَ: أي: أعطيناك يا محمّد، وفي التعبير بالإيتاء لما أنزل اللّه عليه في هذا القرآن المجيد، دلالة على أنّ اللّه عزّ وجلّ قد منحه شرفا عظيما، وتكريما جسيما، إذ اصطفاه بأن أنزل عليه الكتاب الخاتم لكتبه لعباده، والمعجز الجامع لميزات كلّ كتبه وصحفه السابقة له، والمنزّلة على رسله السّابقين، في التاريخ البشريّ.
مِنْ لَدُنَّا: لدن: ظرف زمانيّ ومكانيّ، بمنزلة"عند"إلّا أنّه أقرب من"عند"وأخصّ منه. وكلمة"لدن"ملازمة للإضافة، فهي تجرّ ما بعدها بالإضافة، والمضاف إليه هنا ضمير المتكلّم العظيم:"نا"وظاهر أنّ نون:
"لدن"مدغمة بنون الضمير"نا"فصارتا نونا مشدّدة.
ذِكْرًا: أي: كتابا ربّانيّا، يطلب عزّ وجلّ من المكلّفين من عباده جميعا، أن يتبلّغوه بوعي، وأن يتفهّموا معانيه ودلالات كلماته وجمله وآياته، وأن يضعوها في مستودعات جهاز العلم والمعرفة فيهم، وأن يتذكّروا منها ما تتطلّبه المناسبات الداعيات، باستخراجه من مستودعات الحفظ، إلى ساحة التصوّر الحاضر، ليكون ما تذكّروه دافعا للعمل بمقتضاه، أو الانتفاع بهديه، وبما فيه من علم ربّانيّ حقّ.
وقد أطلق على القرآن الكريم أنّه"ذكر"نظرا إلى المطلوب الختاميّ