معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 317
نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ ... (104) : هذا كلام صادر عن اللّه عزّ وجلّ، جاء باستخدام ضمير المتكلّم العظيم. أي: نحن أعلم بما سوف يتداولونه من أقوال فيما بينهم، بشأن المدّة الزّمنيّة الّتي لبثوها في قبورهم، لأنّنا أعلم بما في نفوسهم وتنطق به ألسنتهم منهم.
عندئذ يظهر فيهم من يعتبرونه ذكيّا في تقدير الأزمان بفكره على سبيل الحدس والتخمين، لا بأدوات الحسّ لديه، وهو في تصوّرهم أمثلهم طريقة في فهم مثل هذه الأمور الغامضة، كما كانوا يعلمون ذلك من تصرّفاته في الحياة الدنيا، فيقول لهم ما جاء بيانه في قول اللّه تعالى: إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (104) : أي: هو ينظر إلى شعوره الذّاتي، فيرى أنّ شعوره لا يزيد في تقدير الزّمن، على أنّه لبث نومة في العشيّ، أو نومة في الضحى، كما قال اللّه عزّ وجلّ في سورة (النازعات/ 79 مصحف/ 81 نزول) :
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (46) .
فهو يزيد بإعمال فكره حدسا وتخمينا وخرصا، فيقول: ... إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (104) .
وهكذا يكون حال الذين ماتوا في أوّل التاريخ البشريّ على الأرض، أو في قرون عاد، وثمود، وقوم لوط، وقوم شعيب، ومن بعدهم، حتّى آخر هالك على وجه الأرض، فالإحساس بمرور الزمن بالنسبة إليهم جميعا سواء، ولو كانوا في مدّة البرزخ من أهل النعيم، أو من أهل العذاب، إذا النّائم قد يرى أحلاما لا تتحقّقّ في واقع الحياة إلّا بزمن طويل، بينما يكون قد رآها في حلمه بثانية أو بأقلّ أو بأكثر قليلا.
فلا سبيل أمام الذي كان أمثلهم طريقة في الحياة إلّا أن يحكم بالاستناد إلى الحدس، والتخمين، والخرص.