معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 361
النُّهى: أي: العقول الواعية الدّرّاكة للآيات ذوات الدّلالات، مفردها"نهية".
وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129) :
أي: ولو لا كلمة (يراد بها كلام تمّ به قضاء وقدر) سبقت في خطّة التكوين، وجعل الناس في الحياة مخيّرين ممتحنين، وجعل الجزاء الأوفى مؤجّلا إلى يوم الدّين، بعد الموت والبعث، ولو لا أجل مسمّى معيّن عند اللّه للحساب، وفصل القضاء، وتنفيذ الجزاء، يوم الدّين، لكان تعجيل تنفيذ مجازاتهم الجزاء الأوفى أمرا ملازما لهم، لأنّهم قد استحقّوه بتكذيبهم بالحقّ من ربّهم، وبكفرهم، وظلمهم الشنيع، وجرائمهم الكثيرة.
لَكانَ لِزامًا: أي: لكان إنزال الجزاء الأوفى بهم أمرا ملازما لهم، لأنّهم قد صاروا مستحقّين له حتما، ولا مقتضي للتأجيل إلّا الكلمة الّتي سبقت من ربك. في خطة التكوين، وقد استعمل المصدر في موقع اسم الفاعل، وهو كثير، والمصدر هنا مؤوّل باسم الفاعل.
اللّزام: مصدر كالملازمة، تقول لغة:"لازمه، يلازمه، ملازمة، ولزاما"أي: تعلّق به، وصار محيطا بعنقه، كما يتعلّق الغريم بغريمه، وكما يعانق العاشق حبيبه.
وَأَجَلٌ مُسَمًّى: أي: ولو لا أجل مسمّى معيّن عند رب العالمين، سابق في خطّة التكوين، قبل خلق الناس، ووضعهم موضع الامتحان.
لفظ"أجل"معطوف بالواو على لفظ"كلمة"والأصل في العبارة:
ولو لا كلمة سبقت من ربّك وأجل مسمّى لكان لزاما، إلّا أنّ التناظر في رؤوس الآيات يختلّ، فاقتضت مراعاة الجمال اللّفظيّ في النظم تأخير عبارة: وَأَجَلٌ مُسَمًّى.
وجعل الكلمة في عبارة: [وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ] خاصّة