فهرس الكتاب

الصفحة 5373 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 371

والآية واردة لمعالجة حالة الرّسول النفسيّة، بدواء من ذكر اللّه في الأوقات السّتة التي سبق بيانها، لتفريغ شحنات انزعاجه من أقوال كبراء مشركي قومه المؤذية له، والّتي كانوا يقولونها بأساليب دعائية إعلاميّة، قبيل نزول سورة (طه) ضدّه، وضدّ رسالته وضدّ القرآن المجيد، وضدّ الذين آمنوا به واتّبعوه، والتّسبيح المتكرّر في الأوقات المبيّنة في الآية، دواء ناجع لصرف كلّ ما في النفس من مؤلمات، ومزعجات، ومقلقات، ومحزنات، تضيق بها الصّدور، وتتكدّر بها المشاعر.

والتّسبيح بحمد اللّه يذكّر المسبّح الحامد للّه، بأنّ اللّه عزّ وجلّ القدير على أن يفعل ما يريد في عباده، وفي الكون كلّه، يصبر بحلمه العظيم على عباده الجاحدين إلهيّته، والجاحدين ربوبيّته، والجاحدين آياته، والمكذّبين بكتابه المعجز، فيمهلهم، ولا يعجل بمعاقبتهم والانتقام منهم، ليترك لهم زمنا واسعا يراجعون فيه أنفسهم، رضا منه في أن يتوبوا إليه، ويستغفروه، ويكونوا من الناجين من عذابه، والفائزين بجنّته.

فعلى الرّسول، وعلى حملة رسالته من أمته، أن يتخلّقوا بأخلاق اللّه، ويعاملوا عباده بما يعاملهم هو به، فيصبروا عليهم، ويعاملوهم بالإغضاء والصّفح الجميل، عسى أن يكون هذا الخلق سببا في إيمانهم، وإسلامهم، لإنقاذهم من عذاب اللّه ونقمته، وسببا لإدخالهم يوم الدّين في جنّات النعيم.

لَعَلَّكَ تَرْضى: أي: لترضى، على أنّ"لعلّ"تعليليّة، أو راجيا ومترقّبا أن يأتي زمن قريب تكون فيه راضيا عن صبرك الّذي صبرته على أقوال كبراء كفّار قومك، وراضيا باستعمالك دواء التّسبيح بحمد ربّك، إذ تنزاح عن نفسك مشاعر الكدر والضّيق والألم والقلق والانزعاج الّتي سبّبتها أقوال كبراء كفار قومك الّتي أشاعوها وآذوك بها ظلما وعدوانا وبغيا من عند أنفسهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت