فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 373
نفوس بعض المؤمنين، بأنواع من البيانات العلاجيّة الكاشفات لجوانب من حكمة اللّه عزّ وجلّ في تدبيراته لابتلاء عباده.
منها أنّ ظروف الحياة الدنيا ظروف امتحان، والامتحان الأمثل للناس على اختلاف خصائص نفوسهم لا بدّ أن يكون فيه هذا التفاضل.
ومنها أنّ المستمتعين من الكافرين بمستويات رفيعات من متاعات الحياة الدّنيا، قد عجّل اللّه لهم فيها طيّباتهم وما تهوى نفوسهم، وابتلاهم بما آتاهم، ولم يسعدهم سعادة حقيقيّة بالوفرة الّتي أغدق بها عليهم.
ومنها أنّ زمن الحياة الدنيا زمن قليل ضئيل معددود محدود بسنين، يعقبه عذاب أليم خالد في الجحيم على كفرهم وجحودهم آيات ربّهم، بجانب زمن لا حدود له، ولا نهاية له، ينال فيه المؤمنون خلودا أبديّا في جنّات النعيم يوم الدين.
واقتضى علاج المؤمنين، ولا سيما حملة رسالة الرّسول من أمّته، أن يوصيهم اللّه بأسلوب خطاب رسوله، أن لا يتطلّعوا إلى ما متّع اللّه عزّ وجلّ به أصنافا من النّاس من زينات الحياة الدّنيا، وأن يقنعوا بما آتاهم من فضله.
أمّا الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم فلا يظنّ فيه أن تتطلّع نفسه إلى شيء من ذلك، وقد عرضت عليه من قبل ربّه جبال الذهب، على أن يتعرّض لابتلاء شبيه بما تعرّض له داود وسليمان وأيّوب عليهم السّلام، فأباها، وارتضى لنفسه من الدّنيا أن يكون عبدا مسكينا من عباد اللّه المساكين، دون فقر يحوجه إلى ضروريّات حياته وحاجاتها الملحّات.
وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ...:
أي: ولا تنظرنّ نظر تشهّ إلى ما أمددنا به من متاع الحياة الدنيا،