معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 464
العذاب، بحسب ما يكسب العباد في مرحلة امتحانهم في الحياة الدّنيا.
وفيها أيضا بيان جانب من معالجتهم بشأن تكذيبهم بيوم الدّين، وهم في الحياة، بأسلوب تعليم الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم، فكلّ داع إلى اللّه من أمّته، ما يقوله لهم مؤكّدا أنّهم مع الأوّلين والآخرين لمجموعون ولمسوقون إلى محاسبتهم، وفصل القضاء بينهم، وتنفيذ مجازاتهم، في ميقات يوم معلوم، محدّد الزّمن من قبل ربّ العالمين، في خطّة الخلق الّتي قدّرها وقضاها، وحدّد أزمان كلّ الأحداث الّتي تجري لدى تنفيذ ما سبق أن حدّد مقاديره وقضاه بحكمته. وما يقوله لهم بعنف وجفاء إبّان تنزيل سورة (الواقعة) إذ جاءت معالجاتهم في نحو أربعين سورة نزلت قبلها، بمختلف وسائل الإقناع الفكريّ الهادئ الحكيم، ووسائل الترغيب والتّرهيب فأصرّوا على باطلهم، وعلى تكذيبهم بقانون الجزاء الربّانيّ، فالمناسب بعد هذا الصّبر الطّويل عليهم، أن يقال لهم بإصرار على الحقّ، مناسب لإصرارهم على الباطل والتكذيب بالحقّ الرّبّانيّ:
ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55) .
لقد انتهى بالنّسبة إلى هؤلاء وقت الملاينة والملاطفة والرّفق، وجاء دور المخاشنة في القول، وهزّ نفوسهم بشيء من العنف.
التدبر التحليلي:
قول اللّه تعالى:
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (41) ؟!! هذه العبارة معطوفة بالواو على عبارة: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (27) ؟!!. أي: وصنف أصحاب الشّمال (- المشأمة) نبيّن شيئا من الحديث عنهم فيما يلي، وسبق أن عرفنا المراد بالاستفهام في نحو عبارة: ما أَصْحابُ الشِّمالِ؟!! من