معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 564
التلويح لأعدائه بأسلوب التّعريض، كي يتميّزوا غيظا في أنفسهم، فالنّصّ قد أعرض عنهم استهانة بهم، وطمأن اللّه فيه رسوله بخطاب مباشر، مبيّنا له فيه أنّ ترقّيه في معراجه الأبديّ الصاعد مستمرّ إلى غايات التّنعيم والتكّريم والمقام المحمود، في دار الخلود.
أي: فإذا كنت في الأولى الرّسول المجتبى المفضّل على كلّ النّاس، فإنّك في الآخرة ستكون المفضّل أيضا، وستكون الآخرة خيرا لك إنعاما وإكراما وتفضيلا عظيما.
وجاء تأكيد هذا الوعد بمؤكّدين:"لام الابتداء والجملة الاسميّة".
* وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (5) :
في هذه الآية متابعة للوعد الكريم الوارد في سابقتها ببيان فيه شيء من تفصيل مجملها، فكون الآخرة خيرا للرسول من الأولى كلام مجمل، لكنّه يعمّ كلّ ما يسعده فإنّ اللّه سيعطيه من أنواع الخيرات والسّعادات والمنازل الرّفيعة والدّرجات العاليات حتّى يرضى رضا تامّا، فلا يجد في نفسه مطلبا إلّا نال أكثر منه، ممّا لم يكن يخطر في باله.
إنّ الوعد بالعطاء مع الإطلاق يشمل عطاء لا حدود له من كلّ جنس ونوع وفصل وصنف، بحسب رغائبه صلوات اللّه عليه.
ولمّا كان العطاء فوق مدى الطّلب والأمانيّ قال اللّه لرسوله في الآية: فَتَرْضى فجاء العطف بالفاء الّتي تدلّ على الترتيب مع التعقيب.
ولو كانت العطاءات دون أمانيه صلوات اللّه عليه، لكان المناسب أن يكون التعبير:"حتّى ترضى"فدلّ الأداء البيانيّ بدقّته على أنّ فيض العطاء الرّبّانيّ له أوسع من حدود أمانيه صلوات اللّه عليه، وقد تفرّد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بهذا الوعد الكريم في بيانات القرآن.
وجاء توكيد هذه الجملة بمؤكّدين:"لام الابتداء وحرف سوف".