معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 503
بيد أنّه سيأتي في القرون اللّاحقة لزمن التّنزيل، باحثون علميّون يكتشفون عظمة مواقع النجوم من آيات اللّه في كونه، وهؤلاء يلائم حالهم أن يقسم اللّه لهم بمواقع النجوم، على أنّ القرآن تنزيل من لدنه، وأنّ كلّ ما جاء فيه من أنباء حقّ وصدق، ولا سيما أنباء الجزاء، ويوم الدين، وما سوف يجري فيه من أحداث.
وإذ اجتمع الاقتضاءان المتعارضان، كان الحلّ المناسب مع الحرص على الإيجاز في التعبير، ذكر القسم والمقسم به، والمقسم عليه، مع سبق كلّ ذلك بأداة النفي"لا".
فالّذين لا يؤثّر فيهم القسم، ولا يقع في نفوسهم موقع المؤكّد يخاطبون بالنفي.
والّذين يؤثّر فيهم هذا النوع من القسم يجدون في ذكره منفيّا تنبيها لهم على عظمة المقسم به، ويدركون أنّ المقصودين بنفي القسم الجاهلون بعظمة مواقع النجوم، الّذين لا يتأثّرون بالتّوكيد به.
معارج التفكر ودقائق التدبر ... ج 8 ... 503
هذا الحلّ الموجز البديع، قد جمع بين القسم لمن يؤثّر فيه، وعدم القسم بالنّسبة إلى من لا يؤثّر فيه.
ونمثّل لهذا الأسلوب- وللّه المثل الأعلى- بقول المحبّ لمحبوبه الهاجر له: أنا لا أحلف لك بأنّني أحبّك كثيرا، ومشتاق إلى لقياك، وأسهر اللّيالي الطّوال أنظم في التعبير عن حبّي وشوقي روائع القصائد، لأنّك غير عابئ بكلّ ما أجد نحوك.
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (75) : جاءت الفاء تفريعا على ما جاء في الدّرسين: (الأول والثاني) من دروس السّورة، وما تضمّناه من بيان قرآنيّ عن الجزاء الرّبّانيّ، وعن يوم الدّين، ضمن خطّة التكوين الّتي قدّرها اللّه عزّ وجلّ وقضاها، وأبان لنا منها في القرآن الكريم لقطات ذوات شأن.