معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 502
وأقول:
"إنّ عبارة: فَلا أُقْسِمُ ونظائرها أسلوب بيانيّ قرآنيّ مبتكر، للدّلالة على أنّ الموضوع مع حال المخاطب يقتضي اقتضاءين متعارضين:"
(1) أحدهما يستدعي البيان فيه القسم المؤكّد للخبر الذي يؤتى بالقسم لتأكيده.
(2) والآخر يستدعي البيان فيه عدم القسم.
فكان الحلّ المبتكر في أساليب البيان القرآنيّة اختيار أسلوب ذكر لفظ القسم والمقسم به تنبيها عليه، مع سبقه بأداة النفي"لا".
فالجانب الذي اقتضى القسم روعي حاله بذكر القسم والمقسم به، تنبيها على ما في المقسم به من تأكيد أو حجّة هادية إلى أنّ الموضوع الّذي يراد تأكيده حقّ وصدق.
والجانب الّذي اقتضى عدم حصول الفائدة المرجوّة من القسم، روعي حاله بنفي القسم بأداة النّفي"لا".
فقول اللّه عزّ وجلّ: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (75) مع ملاحظة أنّ الموضوع المراد تأكيده كون القرآن كريما ومنزّلا من ربّ العالمين، يكشفان الاقتضاءين المتعارضين:
فالمخاطبون يجحدون كون القرآن منزّلا من ربّ العالمين، خالق السّماوات والأرض، وما فيهما ومن فيهما.
ومواقع النّجوم في السّماوات من آيات اللّه العظيمات، وهي أهل لأن يقسم اللّه بها.
لكنّ المعنيّين الأولين بالخطاب لم تصل بعد مداركهم العلميّة إلى معرفة عظمة مواقع النجوم، حتّى يكون القسم بها يفيد بالنسبة إليهم توكيدا.