معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 501
حياة فيها إرادة حرّة، وإدراك واع للخير والشرّ، وتمكين لهم من فعل الخير والشرّ، ويتمنّون مع ذلك دوامها، وعدم انقطاعها بالموت الفاصل بين الحياة الأولى والحياة الأخرى.
والرّاغبون في تحقّقّ هذا الاحتمال المرفوض عقلا هم الّذين يقول اللّه عزّ وجلّ لهم:
فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (87) .
أي: فهلّا إن كنتم- كما تزعمون- سوف لا تحاسبون ولا تجازون على أعمالكم لأن وجودكم ظاهرة طبيعية، ترجعون بكلّ وسائلكم الحياة إلى أجسادكم مستفيدين من الظواهر الطبيعيّة السببيّة، وذلك عند مفارقتها لها، أو عقب مفارقتها لها، في حالة أنّه لم يختلّ في أجسادكم شيء، بل انتهت بقضائنا رحلة امتحانكم، وجاء وقت نزع روح الحياة منها، بانتظار إعادة الحياة إليكم للحساب، وفصل القضاء، وتحقيق الجزاء.
ولكن لن تستطيعوا، وبهذا يثبت ما أنبأناكم به، من أنّكم مدينون حتما.
القضية الرابعة: تتضمّن تأكيد قضيّة الجزاء يوم الدّين، ببيان فيه إضافة بعض تفصيل، لثواب المقرّبين، وثواب أصحاب اليمين، وعقاب المكذّبين الضّالين.
التدبّر التحليليّ:
قول اللّه عزّ وجلّ:
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) .
سبق لدى تدبر أول سورة (القيامة/ 75 مصحف/ 31 نزول) بيان ما ظهر لي من المراد بالقسم المنفيّ في القرآن المجيد، بعد أن ذكرت آراء المفسرين بشأنه، فقيل:"لا"زائدة. وقيل:"لا"تنفي كلاما مطويّا. وقيل غير ذلك.