معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 508
فالملائكة أو قسم منهم هم المأذونون بأن يصلوا إلى اللّوح المحفوظ ويمسّوه، ويقرؤوا منه ما أذن اللّه لهم بأن يقرؤوه فيه، أو يستنسخوه منه.
ولم يمسّ ولن يمسّ اللّوح المحفوظ غير المطهّرين، أما الجنّ فلا يمسّونه، لأنّهم معرّضون للمعاصي والمخالفات حتّى دركة الكفر، وهذه أرجاس تجعلهم ممنوعين بالقهر الرّبّانيّ من الوصول إلى اللّوح المحفوظ، وكذلك الإنس مهما اتخذوا من وسائل.
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (80) : أي: إنّه لقرآن كريم، تنزيل من ربّ العالمين، فلفظ"تنزيل"صفة أخرى للفظ"قرآن"ويجوز نحويّا أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف، تقديره: هو تنزيل.
"التنزيل والإنزال": يراد بهما في الاستعمالات القرآنيّة إيصال الأشياء من مقام ربوبيّة الرّبّ إلى خلقه، لأنّ اللّه عزّ وجلّ هو العليّ الأعلى، وكلّ الكائنات دونه منزلة ومكانة، ولو كان هو جل جلاله أقرب إلى عباده من حبال أوردتهم، ولا يلزم من التعبير بالإنزال أو بالتنزيل إهباط الشيء من مكان عال إلى مكان منخفض، بل كثيرا ما يكون المراد الدّلالة على علوّ المقام الرّفيع للمنزّل الخالق، أو الواهب، أو المتفضل بعطاءاته.
مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ: أي: من المتصرّف بصفات ربوبيّته بكلّ العالمين، والمراد بالعالمين هنا كلّ ما سوى اللّه عزّ وجلّ في الأكوان، إذ هو جلّ جلاله ربّ كلّ شيء.
قول اللّه عزّ وجلّ خطابا للكافرين بالرّسول وبالقرآن وبيوم الدين، وفي الصّفّ الأول منهم مشركو مكّة وما حولها إبّان التنزيل وهم المعنيّون الأوّلون في السورة:
أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) ؟.