معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 509
هاتان آيتان مدنيّتان اقتضت الحكمة الحركيّة تأخير إنزالهما إلى ما بعد هجرة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة، لئلا يكون في بيان مداهنة أئمّة المشركين بذكر القرآن بما يشعر بإعظامهم لبلاغته الساحرة الاسرة، ما يدفعهم إلى توجيه الشتائم له ولأساليبه البيانية ظلما وعدوانا.
أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) :
هذا الحديث: هو القرآن الكريم، والاستفهام في العبارة هنا يراد به التّثريب، والتلويم، إلى حدّ التوبيخ، والفاء حرف عطف على جملة: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) وفيها معنى التفريع، أي: أفصحّ في أذهانكم أن تدهنوا بالقرآن الكريم، ذي المجد العظيم، والذي هو تنزيل من ربّ العالمين، فتعطوه من ألسنتكم إدهانا دون أن تؤمنوا بأنّه منزّل من ربّكم؟!.
"فَبِهذَا الْحَدِيثِ"معمول لاسم الفاعل مُدْهِنُونَ قدّم عليه لغرض التخصيص، أي: أتخصّون هذا القرآن الكريم بإدهانكم مع عدم تصديقكم بأنّه منزّل من عند ربّكم؟! إنّ هذا منكم لجحود عظيم.
مُدْهِنُونَ: اسم فاعل من"أدهن يدهن": أي: لاين في القول، مخادعة، ومراءاة، بغية التهرّب من الاعتراف بالحقّ.
والمعنى: تعطون القرآن أوصافا فيها اعتراف بعظمته وتفوّقه، على سبيل المداهنة، ولكن فيها صرف عن الاعتراف بكونه منزّلا من عند اللّه رب العالمين، وعن كونه معجزا يقتضي إعجازه الإيمان بكونه منزّلا من عند اللّه العزيز الحكيم الحميد.
ومن إدهانهم قولهم عن القرآن:"إنّه سحر"أي: إنّ تفوّقه بسبب كونه سحرا. وقولهم عنه"هو شعر"أي: هو لون من ألوان الشعر غير المألوف، الذي يمكن أن يأتي بنظيره فحول الشعراء. وقولهم عنه:"هو مكتتب من كتب أهل الكتاب"أي: إنّ تفوّقه بسبب كونه منقولا عن كتب الرّسل السابقين.