معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 510
وهذا من أئمة مشركي مكّة إبّان التنزيل اعتراف منهم بعظمة القرآن وتفوّقه البيانيّ، إلّا أنّه إدهان منهم ومصانعة ومخادعة، إذ لم يستطيعوا أن يقولوا بشأنه كلاما فيه طعن أو تجريح أو نقد بعيب، نظرا إلى أنّ جماهيرهم لا تقبل ذلك منهم.
وغرضهم من الأوصاف الّتي أطلقوها، صرف جماهيرهم التابعين لهم، عن الإيمان بكون القرآن تنزيلا من ربّ العالمين، فمن لوازم هذه الإيمان الإيمن بأنّ محمّد بن عبد اللّه نبيّه ورسوله، واتّباع الدّين الذي جاء به.
وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) : أي: وتجعلون مقابل إنعام اللّه عليكم بالرّزق الّذي به استمرار حيواتكم أنّكم تكذّبون بكتاب ربّكم المعجز، وبما جاء فيه من أنباء يوم الدين، وتكذّبون رسول ربّكم الّذي يبلّغكم عنه ما يوحي به إليه، وقد كان الواجب عليكم أن تشكروا ربّكم الرازق لكم بالتّصديق والإيمان والاتّباع، والطّاعة بالعمل بما يأمركم به، وباجتناب ما ينهاكم عنه.
ففي هذه الآية محذوفات يمكن استخراجها بالتأمّل: أي: وتجعلون مقابل رزق اللّه لكم أنّكم تكذّبون بكتابه ورسوله، بدل أن تشكروه بالإيمان وبالعمل بما يرضيه.
قول اللّه عزّ وجلّ:
فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (87) :
فَلَوْ لا في الموضعين بمعنى:"فهلّا"للحضّ.
إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ: أي: إذا بلغت الرّوح الحلقوم عند نزعها من