معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 570
تمهيد:
بعد أن طمأن اللّه عزّ وجلّ رسوله محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم حول أمور مستقبله ومتابعة عناية اللّه به، عن طريق تذكيره بسوابق عنايته به، الّتي لم تفارقه منذ نشأته، حتّى اصطفائه بالنّبوّة والرّسالة أجلّ نعم اللّه عليه، وأرفعها مقاما، وأوصلها إلى المقام المحمود يوم الدين، صار من المناسب في تربية اللّه له أن يكلّفه تكليفات مبنيّات على كلّيّات النّعم الّتي أنعم بها عليه، وذكّره بها، ليكون عبدا شكورا لربّه.
فجاء في التّكليف مقابلة كلّ نعمة جاءت في التّذكير بتكليف من جنسها.
* فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9) :
جاء هذا التكليف للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في مقابل قول اللّه عزّ وجلّ له في التذكير بسوابق النّعم: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى (6) .
(فأما:) الفاء عاطفة للتفريع على ما سبق، وفي هذا التفريع دلالة على أنّ النّعمة تقتضي تلقائيّا الشّكر عليها بعمل من جنسها، أي: فإيواء اللّه لك من اليتم الذي وجدك فيه، يقتضي منك أن تشكر ربّك الذي آواك بأن تكرم اليتيم إذا وجدته، وتذكر فيه نفسك حينما كنت مثله.
[أمّا] : حرف شرط، وتوكيد، وتفصيل غالبا. ويظهر كونها شرطا من لزوم الفاء بعدها، وقد رأى علماء العربيّة أنّها تفيد التوكيد. وكونها للتفصيل هنا ظاهر من تكرارها بجانب القسمين الآخرين في هذا الدرس.
ويفصل بين"أمّا"وجوابها بواحد من أشياء، منها اسم منصوب بجوابها مقدّم عليه، كما جاء هنا.
(اليتيم:) هنا مفعول به مقدّم على فعله وهو: تَقْهَرْ.