فهرس الكتاب

الصفحة 554 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 571

فَلا تَقْهَرْ: الفاء واقعة في جواب الشرط. و"لا"حرف نهي يجزم الفعل المضارع، وهو هنا:"تقهر".

القهر في اللّغة: الغلبة، والأخذ من فوق، والمقهور هو المأخوذ من غير رضاه. وقد كان المتبادر إلى الذهن أن يكون التوجيه للأمر بإكرام اليتيم، لا إلى النّهي عن قهره، فما هي الحكمة ممّا اختير في النّصّ؟

أقول: لمّا كان المتبادر من معنى الإكرام الإعطاء والبذل، وهذا قد يكون مع التّعالي والإشعار بالتّفضّل، وفي هذين نوع من الغلبة الّتي لا ترضي آخذ العطاء حينما يأخذه اضطرارا أو عن حاجة، كان من المناسب التصريح بالنهي عن قهره، وفي هذا إعلام ضمنيّ لغير الرسول بأن لا يقهر اليتيم ولو كان يعطيه ويبذل له مالا أو معونة أو خدمة ما.

على أنّه قد سبق في سورة (الفجر/ 10 نزول) زجر الّذين لا يكرمون اليتيم، فكان من المناسب في سورة (الضحى/ 11 نزول) التّصريح بالنّهي عن قهره، ولو مع معونته والإنعام عليه.

ولتطبيق هذه المحمدة وجوه كثيرة لا تخفى على أهل الذكاء، ومنها إقامة دور لرعاية اليتامى لا تظهر فيها وجوه المحسنين.

وقد جاء التوجيه لإكرام اليتامى والنّهي عن قهرهم في المراحل الأولى لتنزيل سور القرآن، اهتماما بالمستضعفين المحرومين من الحنان، الّذين يشعرون بأنّهم في حياتهم مغلوبون مقهورون، وربّما كانوا مع ذلك ذوي حاجة فقراء، وهذا يضاعف من آلامهم.

إنّ اليتيم تزدحم في نفسه تصوّرات أنّه مغلوب مقهور، إذ هو محروم من أبيه الّذي لو كان حيّا لكان به معزّزا كريما مكفيّا، ومحبوبا مدلّلا، وأنّ من يحسن إليه يفعل ذلك شفقة عليه، لا حبّا له.

فكيف بمن يذلّه، ويطرده، ويدعّه دعّا، ويستولي على ماله، ويكلّفه من الأعمال فوق تكليف أترابه ونظرائه من غير اليتامى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت