معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 572
* وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10) :
وجاء هذا التكليف من اللّه عزّ وجلّ للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في مقابل قول اللّه له في التّذكير بسوابق النّعم: وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (8) .
جملة: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10) معطوفة على جملة: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9) . والجملتان متماثلان تركيبا وإعرابا، فلا حاجة للإعادة.
(السائل:) هو في العرف العامّ طالب الصّدقة من الناس، والأصل في لفظ السّائل أنّه ينطبق على كلّ من يوجّه سؤالا ما، ولو لمعرفة خبر أو علم أو غير ذلك.
فَلا تَنْهَرْ: يقال لغة: نهر فلان فلانا إذا زجره وأغضبه، فالنّهر الزّجر المثير للغضب.
جاء فيما سبق من تنزيل القرآن التوجيه للعطاء والأمر به، إذ أمر اللّه فيه رسوله بأن يمنّ غير مستكثر، وذمّ الكافرين بأنّهم لا يحضّون على إطعام المسكين، أي: فمن خلائق المؤمنين أنّهم يطعمون المسكين، ويحضّون على إطعامه.
إذن فالخصلة الحميدة الّتي يحسن التوجيه لها، بعد هذه السّوابق حول موضوع العطاء، هي عدم نهر السّائل، والسّبب في هذا أنّ السّائلين لأنفسهم في أغلب الأحوال والأفراد إنّما يسألون للاستكثار من الأموال، وعن غير حاجة، إذ غدت المسألة لديهم بمثابة مهنة امتهنوها، فالسّائل منهم في الغالب المعتاد مظنّة غنيّ متمسكن مستكثر، وحينما يغلب في تصوّر الناس هذا المعنى فإنّ الحريص على بذل العطاء لمستحقّيه يضيق بالسّائل تلقائيّا فينهره ويزجره.
لكنّ هذا الظّنّ قد لا يوافق حال السّائل، فيكون نهره إيذاء بالغا لقلبه، وطعنا في مكان جراحته الّتي تؤلمه، فكان من الحكمة لصيانة