معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 534
بطونهم من طلع شجر الزّقوم، يشتدّ ظمؤهم شدّة عظيمة، فلا يجدون ماء باردا ولا شرابا حسنا يروون به ظمأهم، بل يجدون حميما، أي: ماء شديد الحرارة، قد أعدّ لهم ليشربوا منه، فيشربون منه ملجئين، لتخفيف لهيب ظمئهم، فيدخل هذا الماء الحميم إلى بطونهم، فيختلط بما أكلوا من طلع شجر الزّقّوم.
لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ: الشّوب في اللّغة ما اختلط بغيره، ودلّ نصّ سورة (الواقعة) إلى أنّهم يشربون على ما أكلوا من الزّقوم، من الحميم، وهو الماء الشديد الحرارة، فجاء هذا النصّ من سورة (الصّافات) مبيّنا أنّ الحميم يدخل إلى بطونهم إذا شربوه فيكون مع ما أكلوا من الزّقّوم شوبا، أي: مختلطا بعضه ببعض.
هذا الحميم مع الزّقوم الذي يغلي في البطون، لا يدفع عنهم شيئا من الظّمأ وحرارته.
ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (68) : دلّت هذه الآية على أنّ جوعهم الشديد يجعلهم يرحلون من منازلهم في الجحيم، إلى قاعها حيث منابت شجر الزّقّوم، ليأكلوا منه، وعلى أنّ ظمأهم الشديد يجعلهم يرحلون إلى حيث يوجد الماء، فلا يجدون إلّا ماء حميما، فيشربون منه شرب الهيم، فيختلط في بطونهم بما أكلوا من شجر الزّقّوم، لكنّهم يجدون مواقع شجر الزّقّوم، ومواقع الماء الحميم أشدّ من منازلهم في الدّركات التي هم فيها من الجحيم، فيرجعون إلى دركاتهم فيها، حتّى تلجئهم الضّرورة إلى رحلة أخرى للأكل من شجر الزّقّوم، وللشّرب من الحميم.
فأضاف هذا النصّ من سورة (الصّافات) إضافات لم تأت في النّصّ الأول الذي من سورة (الواقعة) .
وبهذا تظهر لنا صورة من صور التكامل في النصوص القرآنية الواردة في مختلف السّور حول موضوع واحد.