فهرس الكتاب

الصفحة 5567 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 566

وقد دلّ هذا البيان على أنّ من نظام الأسباب والمسبّبات الرّبّانيّة في النّاس، أنّ شدّة الهمّ والغمّ والحزن، قاتلة للنّفوس قتلا باخعا، فاصلا للأرواح عنها فصلا سريعا، لا على سبيل الموت البطيء كالعشق، بل هو كالذّبح إلى أقصى الرّقبة.

وقد سبق في نجوم التّنزيل أن خاطب اللّه عزّ وجلّ رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله له في سورة (فاطر/ 35 مصحف/ 43 نزول) :

فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (8) .

وفي القراءة الأخرى:

[ ... فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إنّ اللّه عليم بما يصنعون] .

حَسَراتٍ: جمع"حسرة"وهي شدّة التّلهّف والحزن.

أي: فلا تحزن من أجل الذين كفروا من قومك، خوفا عليهم من عذاب ربّهم، فهم في حياة ابتلاء وامتحان، وإنّ اللّه عليم بما يصنعون لحظة فلحظة، والحزن من أجلهم يخالف مقتضيات حكمة اللّه، إذ قضى وقدّر أن يمتحن عباده، فيكشف بالامتحان أحوال نفوسهم، وما تختار باختيارها الحرّ من خير أو شرّ، ومن اختار بإرادته الحرّة الباطل والشّرّ، فعليه أن يتحمّل هو وحده نتيجة اختياره.

وسبق لدى تدبّر هذه الآية في أثناء تدبّر سورة (فاطر) شرح مناسب وبيان مستفيض حولها، فليرجع إليه.

ولمّا كانت عاطفة الرّسول نحو قومه شديدة في الخوف عليهم من عذاب النّار يوم الدّين، ورأى أنّ التوجيه الذي جاء في سورة (فاطر) توجيه إرشادّيّ، فقد بقي يشعر بالحزن الشّديد من أجلهم.

فاقتضت الحكمة التربويّة أن ينزل اللّه عليه حول هذا الموضوع ما تدبّرناه آنفا من سورة (الشعراء/ 26 مصحف/ 47 نزول) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت