معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 565
لَعَلَّكَ: كلمة"لعلّ"تدلّ على أمر متوقّع الحصول بحسب نظام الأسباب والمسبّبات، فإن كان المتوقّع حصوله مرغوبا فيه كان التوقّع ترجيّا، وإن كان المتوقّع حصوله مكروها كان التّوقّع إشفاقا.
و"لعلّ"هنا مستعملة في الإشفاق.
باخِعٌ نَفْسَكَ: أي: قاتل نفسك يا محمّد من الهمّ والغمّ والحزن.
وأصل البخع في اللّغة أن يذبح الذّابح ذبيحته، حتّى تبلغ سكّينه قريبا من فصل الرأس كلّه عن سائر جسدها.
أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ: أي: حذر أن لا يكون قومك وعشيرتك الأقربون، الّذين اجتهدت في معالجتهم منذ بدء رسالتك، مؤمنين قبل انتهاء آجالهم في الحياة الدّنيا، فيعرّضوا أنفسهم لعذاب اللّه الخالد في دار العذاب يوم الدّين، مع ما قد ينزل بهم من عذاب وهلاك في الحياة الدّنيا عقابا لهم على إصرارهم على الجحود.
استعمل اسم الفاعل وهو لفظ"مؤمنين"هنا للدّلالة على الاستقبال فهو هنا بمنزلة الفعل المضارع ونظائره في القرآن كثير.
وفي عبارة: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ رائحة الاستفهام العتابي، مع التّوجيه المشدّد أن لا يحزن من أجل خوفه ألّا يكونوا مؤمنين.
فالمعنى: أشفق على نفسك يا محمّد من أن تعرّضها للقتل بسبب الهمّ والغمّ والحزن، من أجل قوم لم يشفقوا على أنفسهم من عذاب ربّهم الّذي أوعدهم به، مع استيقان قلوبهم من صدق نبوّتك ورسالتك، وأنّ القرآن الّذي تتلوه عليهم منزّل من ربّ العالمين.
لكنّ قلوبهم كالحجارة بل هي أشدّ قسوة، بسبب كبرهم ورغبات الفجور الّتي في نفوسهم، وما لديهم من عناد وتمسّك بمواريثهم الباطلة، فهم ليسوا صالحين لأن تشفق عليهم، وتهتمّ وتحزن من أجلهم.