فهرس الكتاب

الصفحة 5577 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 576

الصّيرورة ذات الاستمرار، ونظائر هذه الدّلالة لفعل"كان"كثيرة في القرآن المجيد. أي: وصار أكثرهم مرضى القلوب متحجّرين غير ذوي قابليّة لأن يؤمنوا مستقبلا، فهم ذوو حالات ميؤوس معها من أن يؤمنوا مستقبلا عن طريق إراداتهم الحرّة.

ولأمراض قلوب النّاس أمارات تدلّ عليها في ظواهر سلوكهم، فكيف بالخالق العليم المطّلع على كلّ الظّواهر، وعلى ما في القلوب والنفوس والضّمائر من سرائر.

فعبارة: وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ أي: مستقبلا، تفسّر تفسيرا تدبّريّا بأن نقول: وصار أكثرهم غير ذوي قابليّة لأن يؤمنوا.

استعمل اسم الفاعل مُؤْمِنِينَ في مكان الفعل المضارع"يؤمنون"الدّال على الحال والاستقبال.

أمّا الّذين لديهم منهم قابليّة لأن يؤمنوا مستقبلا فهم أقلّهم. ومن هؤلاء الأقلّ الّذين آمنوا من كبراء مشركي مكّة بعد نزول سورة (الشعراء) والّذين آمنوا منهم بعد هجرة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة، والذين آمنوا منهم يوم فتح مكّة وبعده، كأبي سفيان بن حرب.

وأوعد اللّه الكافرين المكذّبين المعانين المصرّين على الباطل، بعقاب يجريه بعزّته الغالبة، وأشار إلى هذا الوعيد بذكر اسمه"العزيز".

وأطمع الّذين لديهم قابليّة لأن يؤمنوا ويسلموا ويتّبعوا الحقّ الّذي جاءهم من ربّهم، بمغفرة وبثواب يجريه لهم برحمته، وأشار إلى وعده الكريم بذكر اسمه"الرّحيم".

فقال اللّه عزّ وجلّ خطابا للرّسول ولكلّ متلقّ للخطاب من بعده.

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت