معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 575
في أقواتهم وفاكهاتهم، وأقوات ومنافع أنعامهم ودوابّهم دواما. وهذه النّعم العظيمة والوفيرة تستدعي من الناس المستمتعين بها في الأرض أن يقابلوها بالشكر، والطّاعة، والإسلام، والإيمان، لا أن يقابلوها بالكفر والجحود والفسق والفجور والعصيان، كما يفعل الّذين يكذّبون ويستهزئون من كبراء كفّار مكة وما حولها، وهم الّذين يحزن الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم من أجلهم، حزنا شديدا قاتلا بحسب نظام الأسباب والمسبّبات في الناس.
قول اللّه تعالى:
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9) .
اي: إنّ في ذلك المقدار العظيم الذي أنعمنا به على الناس، بما أنبتنا في الأرض من كلّ زوج كريم، لآية عظيمة كافية للدّلالة على ربوبيّة اللّه الخالق لعباده، وإنعامه عليهم، ورحمته بهم، ونحن نرضى لهم أن يؤمنوا ويشكروا، ونجزيهم عليهما جزاء عظيما في جنّات النعيم، وننقم منهم أن يجحدوا ويكفروا، مع استمتاعهم بأنواع وأصناف نعمنا عليهم، ونجزيهم بعقاب عادل على ما قدّموا من سيّئات، وعلى كفرهم بالحقّ الذي استيقنته أنفسهم، لكن جحدوه ظلما وعلوّا.
لكن ما وجدنا أكثر هؤلاء الّذين يكذّبون ويستهزئون ويحزن الرسول من أجلهم حزنا شديدا، ما وجدناهم ذوي قابليّة- بحسب الحالة الّتي وصلوا إليها- لأن يؤمنوا مستقبلا، إذ وصلت نفوسهم وقلوبهم إلى حالة من العناد والتّحجّر والهبوط في الدركات ميؤوس معها من إيمانهم وإسلامهم عن طريق إراداتهم الحرّة، وفق نظام الأسباب والمسبّبات في طبائع الناس.
لفظ"كان"في عبارة: وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ يدلّ على معنى