معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 574
يعطف بها على محذوف مطويّ في مثاني دلالات النّصّ، مثل"الفاء"الّتي سمّاها النحويّون الفاء الفصيحة، أخذا من العطف بها في القرآن على محذوف يمكن استخراجه ذهنا.
والفعل في يَرَوْا ضمّن معنى الفعل في"ينظروا"فعدّي تعديته بحرف الجرّ"إلى"، والتقدير: أو لم يروا ناظرين بأعينهم إلى الأرض، والغرض الدّلالة على الرّؤية الفكرية العلميّة، وعلى النّظر بأعينهم إلى ظاهرة إنبات اللّه النباتات في الأرض، ذوات الثمرات من كلّ جنس ونوع وصنف.
كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ:
كلمة"كم"هنا خبريّة، تدلّ على عدد كثير مبهم المقدار والجنس أو النوع، أو الصّنف. وهي اسم ثنائيّ مبنيّ على السّكون، ويكون تمييزها مجرورا مفردا أو جمعا. وتمييزها هنا"الإنبات"المفهوم من أَنْبَتْنا وهو مبيّن هنا بحرف"من"البيانية، في عبارة: مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ واختير ضمير المتكلم العظيم في أَنْبَتْنا لما في هذا الإنبات من دلالة على ربوبيّة اللّه لعباده، ورحمته العظيمة بهم.
زَوْجٍ: يراد بالزّوج هنا ما يشمل الجنس، والنوع، والصّنف.
وإطلاق لفظ"الزوج"على الجنس، أو النوع، أو الصنف، إطلاق لغوي.
كَرِيمٍ: أي: جامع للصفات الحسنة النافعة للناس ولسائر الأحياء في الأرض.
وجاء هنا تخصيص آيات اللّه في النّبات بالذكر الصّريح في اللّفظ، مع العطف على محذوف مطويّ يشمل سائر آيات اللّه التي سبق في نجوم التنزيل التّنبيه عليها، لما في النباتات من آثار رحمة اللّه بعباده، ونعمه الكثيرة عليهم، ممّا يشهدونه في معظم أوقاتهم نهارا وليلا، ويستمتعون به