فهرس الكتاب

الصفحة 5574 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 573

أمّا بالنسبة إلى الشّرح اللّغويّ فالعبارة على تقدير: فسيأتيهم واقع أنباء ما كانوا به يكذّبون ويستهزئون من وعيد.

ودلّ قول اللّه لرسوله بشأن من يحزن من أجلهم حزنا شديدا، قاتلا بحسب نظام الأسباب والمسبّبات: فَقَدْ كَذَّبُوا أي: واستهزؤوا، على أنّهم غير جديرين مطلقا بأن يحزن من أجلهم حزنا ما، أو أن يشفق عليهم، إذ المراد أنّهم كذّبوا جاحدين، لا شاكّين، ولا باحثين عن الحقّ بأناة وتفكّر، بل قد دمغتهم الحجّة، واستيقنت أنفسهم أنّ محمّدا صادق فيما يبلّغ عن ربّه، فهم كافرون كفرا إراديّا يسترون به الحقّ الّذي استيقنوه، ويجادلون بالباطل ويعلمون أنّهم مبطلون، ويستخدمون وسيلة الاستهزاء لتضليل جماهيرهم، والتّغشية على بصائرهم.

قول اللّه تعالى:

أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) :

الواو العاطفة هنا بعد همزة الاستفهام عطفت على محذوف يمكن إدراكه واستخراجه بالتفكّر المتأنّي، أي: ألم يشهدوا آيات اللّه الكثيرة في كونه، ونعمه الّتي لا يستطيعون إحصاء مفرداتها، ولم يروا بأفكارهم وقلوبهم ناظرين بأعينهم إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كلّ زوج كريم، إنعاما منّا عليهم ورحمة منّا بهم.

والاستفهام فيه معاني التلويم والتثريب والتوبيخ، وقد عنى اللّه بالخطاب هنا المكذّبين المستهزئين، الذين يدور الحديث في هذا الدرس حولهم، مع الإعراض عنهم، في مقابل إدبارهم وتوليهم، وجحودهم الذي يعاندون به الحقّ مع استيقان أنفسهم وقلوبهم به.

وقد ذكرت أنّ الواو عاطفة على محذوف مطويّ في مثاني دلالات الآية، إذ دلّتني الاستعمالات القرآنيّة على أنّ كلّ حروف العطف يمكن أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت