فهرس الكتاب

الصفحة 5573 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 572

أي: فقد كذّبوا الرّسول، وكذّبوا بالقرآن، وبأنباء الوعيد الّتي جاءت فيه، ومنها الوعيد بانتصار الرسول والّذين آمنوا به واتّبعوه عليهم، في زمن غير بعيد، واستهزؤوا بهذه الأنباء، إذ يرون الرّسول والمؤمنين به ضفعاء مضطّهدين، لا قوّة لهم على مواجهة قوى كبراء مكّة ذوي السّلطان والغنى والأتباع والأنصار الكثيرين بالنّسبة إلى جماعات المؤمنين المسلمين.

وتدبّر هذه الآية بعمق يكشف أنّ فيها حذفا من الأوائل تدلّ عليه الأواخر، وحذفا من الأواخر تدلّ عليه الأوائل، وهو ممّا يسمّى عند البلاغيّين"الاحتباك"والتقدير:

فقد كذّبوا واستهزؤوا بأنباء الوعيد الّتي جاءت في القرآن، ومنها انتصار المؤمنين عليهم في زمن قريب، فسيأتيهم قريبا (بدليل استخدام حرف"السّين") تحقيق أنباء ما كانوا به يكذّبون ويستهزئون بتكرار متجدّد حينا فحينا.

أَنْبؤُا: أي: أخبار، مفردها"نبأ"وهو الخبر البارز الظّاهر ذو الشّأن المهمّ الرّفيع.

الإنباء: الإخبار والإعلام، يقال لغة"أنبأه، ونبّأه الخبر وبالخبر"أي: أعلمه به، ويستعمل النّبأ كثيرا في الخبر ذي الخطر والشأن المثير للعناية به، لأنّ أصل مادّة الكلمة يدور حول الارتفاع والظّهور.

وكلّ خبر له دلالة في الإدراك الذّهنيّ، وله تعلّق بواقع يطابقه إن كان صادقا، ولا يطابقه إن كان كاذبا.

وإتيان النّبأ أو الخبر الصّادق بالنّسبة إلى تعلّقه بالواقع المستقبليّ، يكون بتحقّق وقوعه على وفق الصّورة الّتي قدّمها للإدراك الذهنيّ.

وعبارة: فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يراد بها الواقع المطابق للصّورة الّتي قدّمها للإدراك الذّهني، هذا في التحليل الفلسفي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت