معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 589
القضيّة الثالثة: استفهام تقريريّ ثالث، يقرّر به فرعون موسى عليه السّلام، بأنّه قتل نفسا من المصريين، انتصارا لإسرائيليّ هو من شيعته وقومه، وهذه الجريمة تستحقّ عقوبة القتل، ويظهر أنّ هذه العقوبة قد سقطت بمرور الزّمن، بمقتضى قانونهم حينئذ، فقال فرعون له:
وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ:
أي: أو لم ترتكب جريمة قتل المصريّ، انتصارا لرجل من قومك الإسرائيليّين.
والاستفهام التقريريّ منسحب على هذه القضيّة أيضا ومراد فرعون من تقرير موسى عليه السّلام بهذه القضايا الثلاث، إشعاره بأنّ ما جاء به الآن لا يتلاءم مع سابق عهده في القصر الفرعونيّ وآله، ولا سيما مطالبته بالإذن لبني إسرائيل بأن يخرجوا من مصر، مع الاحتمال القويّ بأنّه يريد أن يخرج بهم، ليعدّ منهم جيشا مقاتلا، ويرجع بجيشه لتقويض ملك أولياء نعمته، وانتزاعه منهم بالقوّة العسكريّة، والاستيلاء على أموالهم وممتلكاتهم، وهم خبراء بأرض مصر، وبرجالها، وبمراكز قوى سلطان القصر الفرعونيّ فيها، إنّ هذا عمل مناف لفضيلة الوفاء.
والمعنى: فكيف يتلاءم هذا مع ما يدعو إليه من حقّ وخير ورشد وفضائل، في الدّين الجديد الّذي يدعو إليه.
القضية الرابعة: إدانة فرعون لموسى عليه السّلام بأنّه من الكافرين الجاحدين، لما قدّمه له القصر الفرعونيّ من نعم ومنن، وقد كان يجب عليه أن يكون من الشّاكرين لهذه النّعم والمنن، فيكون من المؤيّدين المناصرين، ومن ذوي الولاء الصادق، لا من الكافرين الجاحدين، الّذين يقابلون الإحسان بالإساءة، والخير بالشّر، والجميل بالقبيح، فقال فرعون له: