معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 579
(9) الملحق الثاني حول"بلاغيات في سورة الضّحى"
باستطاعة المتأمّل البلاغي أن يكتشف في هذه السّورة عدّة اختيارات بلاغية حكيمة، منها ما يلي:
الأولى:
جاء في عبارة: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ اختيار الاسم الظاهر المضاف إلى ضمير المخاطب وهو الرسول، ووضعه موضع ضمير المتكلّم:"ما ودّعتك"لدواعي بلاغيّة، منها:
(1) مطابقة ما جاء في جملة النفي القرآنية لما جاء في الإشاعة المفتراة، إذ قال المشركون: إنّ ربّ محمّد ودّعه وقلاه.
(2) التذكير بسوابق فضل ربّه عليه، إذ كان في ربوبيته له منذ نشأته يتابعه بالمنن والمنح والعناية الفائقة، فلفظ"ربّ"يشعر بكلّ معاني الربوبيّة أخذا من أصل وضع الكلمة ومشتقاتها، الدّالّ على معنى التربية.
(3) إيثار الجمال التعبيري في السّورة، الملائم لصيغ آياتها.
الثانية:
استخدام أدوات التأكيد في عدّة مواضع:
(1) تأكيد جملة: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (3) بالقسم، لأنّ حال الرّسول النفسيّة تستدعي تأكيد الخبر له، بعد إشاعة خصومه أنّ ربّه ودّعه أو قلاه، مستغلّين تأخّر الوحي عنه قليلا، بعد أن كان متوالي الاتّصال به، ولا سيما أنّه ما زال في أوائل بعثته رسولا.
(2) تأكيد وعد اللّه لرسوله بأنّ الآخرة خير له من الأولى، بلام الابتداء، وبالجملة الاسميّة، مراعاة لحالته النفسيّة يومئذ، ولإغاظة خصومه.