معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 640
تَاللَّهِ: التاء من حروف القسم، قال سيبويه: إنّ العرب لا يدخلون تاء القسم في غير لفظ"اللّه". فلا يقولون مثلا"تربّي"كما يقولون:"و ربّي"وجواب القسم: إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ"إن"هنا هي المخفّفة من الثقيلة، وهي مهملة من العمل، واللام في [لَفِي] هي الفارقة بين"إن"المخفّفة من الثقيلة، و"إن"النافية، وهي مؤكّدة لخبر [كُنَّا] .
لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ: أي: لفي ضياع عن صراط الحقّ، وهذا الضّياع مبين، من فعل"أبان"اللازم بمعنى:"ظهر ووضح"أي: لفي ضلال عن صراط الحقّ ظاهر وواضح.
إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (98) : [إِذْ] ظرفية فيها معنى التّعليل، أي:
كنّا لفي ضلال مبين حين كنّا نسوّيكم بربّ العالمين، في إلهيّته أو في ربوبيّته، فنعبدكم كعبادة العابدين له.
يقال لغة:"سوّى الشّيء بالشّيء"أي: جعله مساويا له مماثلا معادلا.
[رب العالمين] هو الخالق لما سواه، والمتصرّف في العالمين دواما بصفات ربوبيته، التي سبق بيانها مرارا.
وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (99) : أي: وما كان سبب ضلالنا عن صراط الحقّ والهدى غير المجرمين، الّذين كانوا دعاة للشّرك بربّنا ربّ العالمين، إذ جعلوا نفوسهم جنودا لإبليس في الإغواء والإضلال عن الحقّ والهدى وفعل الخير، وعن صراط النّجاة من عذاب اللّه، والسعادة الأبديّة في جنّات النعيم.
المجرمون: هم مرتكبوا الجرائم الكبرى، والآثام العظمى، ومن أشنعها الإغواء، ودفع من يستجيب لهم إلى الغواية، وأطلق هذا اللّفظ في القرآن على مستحقّي الخلود في عذاب النّار على تنازل دركاتهم فيها، حتى الدّرك الأسفل منها.