معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 645
أخوّة نوح عليه السّلام لقومه قد كانت أخوّة نسب، فهو منهم، ولا يلزم هذا في كلّ الرّسل، فقد جاء مثل هذا التعبير بشأن لوط عليه السّلام وقومه، مع أنّه ليس منهم نسبا، بل كان وافدا إليهم، ولا يرجع نسبه إلى جدّهم، فأخوّته لهم قد كانت أخوّة مواطنة ولسان، وأخوّة ترجع إلى آدم عليه السّلام وزوجه.
أَلا تَتَّقُونَ: عرض رفيق بأداة العرض"ألا"وأرجّح أنّها كلمة واحدة، تستعمل للعرض، وللتحضيض، وللاستفتاح والتّنبيه، وليست مؤلّفة من همزة الاستفهام وحرف النفي"لا"ولو كان أصلها كذلك، إذ أقول:
إنّ ذلك الأصل قد تنوسي، وصارت"ألا"بالاستعمال كلمة واحدة.
والذي عرضه نوح عليه السّلام على قومه أن يتّقوا عقاب اللّه وعذابه المؤجّل إلى يوم الدّين، مع ما قد ينزله بهم من عقاب معجّل، وقد تحقّق بإغراقهم إغراقا جماعيّا.
تَتَّقُونَ: مضارع فعل"اتّقى"أي: جعل بينه وبين ما يحذر وقاية تحميه، من ضرّ أو أذى أو عقوبة، والوقاية من عقوبة اللّه تكون بفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، والإيمان الصحيح الصادق أوّل مأمور به في الدّين الذي اصطفاه اللّه لعباده، والكفر وأدناه الشّرك أوّل منهيّ عنه في الدين الذي اصطفاه اللّه لعباده، في رحلة امتحانهم في الحياة الدنيا.
تقول لغة:"اتّقيت اتّقاء"و"توقّيت، توقّيا، وتقى، وتقيّة، وتقاء"أي: جعلت بينك وبين ما يضرّك أو يؤذيك أو يؤلمك، أو يحزنك، ما يقيك، والاسم"التقوى".
قول اللّه عزّ وجلّ في حكاية معنى ما قاله نوح عليه السّلام لقومه:
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) :
رَسُولٌ: أي: نبيّ ورسول، لأنّ النّبوّة سابقة للرّسالة، ومرافقة لها دواما بعد تكليف النّبيّ مسؤولياتها.