معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 647
وإرشاد، ومجاهدة في ابتغاء الخير لهم، وتدريب وتربية على الإيمان ومشاعره، وآثاره في السّلوك، وعلى ممارسة الفضائل الخلقيّة والسّلوكيّة، وعبادة اللّه عزّ وجلّ وفق أحكام شرائعه.
وظاهر أنّ التجرّد والتبرّؤ من أدنى المصالح الشخصيّة وأخفّها، يستلزم بداهة التجرّد ممّا هو أصعب على نفوس القوم وأشدّ.
ولكن ليس معنى ذلك أنّه لا يطلب أجرا ما مطلقا، فهذه مثاليّة خياليّة بالنّسبة إلى البشر، ولو كانوا من أولي العزم من الرّسل، وهو لا يدّعيها عليه السّلام، بل هو واثق من أجر عظيم يظفر به عند ربّ العالمين، فقد تكفّل اللّه عزّ وجلّ عن المدعوّين بأجر الدّعاة إلى دينه وإلى عبادته. ولئلا يفهم منه هذا الفهم قال نوح عليه السّلام:
إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ: أي: ما أجري الّذي أستحقّه إلّا على كفالة ربّ العالمين، فهو وحده الضامن له، وهو وحده الذي تحمّله وتكفّل به، وهو وحده الّذي أثق بأن يمنحني إيّاه يوم الدّين.
وبناء على هذا فإنّني أعيد عليكم مقالتي لكم، وأنا متّصف بكامل التجرّد من أيّة مصلحة شخصيّة أطلبها لنفسي منكم:
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110) .
قول اللّه عزّ وجلّ:
قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) ؟:
أَنُؤْمِنُ لَكَ: أي: أنؤمن بك وبما جئت به، مسلمين ومنقادين لك.
ضمّن فعل"نؤمن"معنى فعل"نسلم"فعدّي تعديته، فأغنت الجملة عن جملتين.
وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ: أي: والحال أنّه اتّبعك الأرذلون.