معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 661
فيها، ولا نفع فيها، والاشتغال ببنائها وإنفاق الأموال فيها عبث لا فائدة فيه، وهذا يدلّ على أنهم كانوا أهل بناء حضاري، وكانوا يتفاخرون ببناء الآيات المرتفعات، كالتماثيل الّتي يصنعها بعض الملوك والرؤساء لأنفسهم، وينصبونها في مواضع بارزة من الطّرق والميادين، ليشهدها الغادون والرائحون، وكالمسلّات الّتي كان قدماء المصريّين ينصبونها، للتفاخر بسلطانهم، وعظمة ملكهم.
إنّها لو كانت أبنية حضاريّة نافعة، لما لامهم رسولهم هود عليه السّلام عليها، بل هي أبنية يبنونها لمجرّد التفاخر والتعاظم، فهي عبث لا نفع فيه.
العبث: هو العمل فيما ليس له فائدة ترجى منه، فتضيع الطّاقة المبذولة فيه دون تحقيق مصلحة تقصد من قبل أهل العقل والرّشد.
وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) : أرى أنّ الكلام هنا مستأنف، أو هو معطوف على كلّ الجملة السّابقة، وليس الاستفهام التلويمي مسلّطا على وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ، لأنّ اتّخاذ المصانع الّتي اتّخذوها ليس من قبيل العبث، بل فيها مصالح للحياة الدّنيا.
أي: وأنتم تتّخذون مصانع، ألعلّكم تخلدون.
المصانع: جمع مفرده"المصنعة"و"المصنع"وهي كلّ ما يصنع من أبنية، وقصور، وحصون، وأحواض مياه، ونحوها.
قال الأصمعيّ: العرب تسمّي القرى (أي: كلّ مجمّع سكني) مصانع، واحدتها مصنعة.
معارج التفكر ودقائق التدبر ... ج 8 ... 661
لمعنى: وأنتم قد أنعم اللّه عزّ وجلّ عليكم نعما وفيرة، من مظاهرها أنّكم تبنون مدنا وقرى وقصورا وحصونا وأحواض مياه، وهذه أنستكم الموت والدار الآخرة بعد البعث، فتركتم العمل فيما يقيكم عذاب