فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 687
الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184) :
في هذه الآيات الأربع، بيان ستّ قضايا وجهّها شعيب عليه السّلام لأصحاب الأيكة، آمرا، وناهيا، ومحذّرا.
القضيّة الأولى: دلّ عليها ما حكاه اللّه عزّ وجلّ عنه بقوله: أَوْفُوا الْكَيْلَ ... ، أي: اجعلوا الكيل تامّا كاملا وافيا غير منقوص.
الكيل: مصدر"كال"يقال لغة:"كال الحبّ أو نحوه من جامد أو سائل، كيلا، ومكالا"، أي: قدّر كميّته بالمكيال، وهو وعاء تعارف الناس على مقدار ما يستوعب، فتكال به الأشياء لمعرفة مقدار حجمها.
وقد كان هؤلاء القوم يتلاعبون بالكيل وبالمكاييل، فينقصون النّاس حقّهم إذا كالوا لهم، أمّا إذا كالوا لأنفسهم من النّاس فإنّهم يوفون، أو يزيدون على الوفاء بالاحتيال، فيأكلون أموال النّاس بالباطل.
القضيّة الثانية: دلّ عليها ما حكاه اللّه عزّ وجلّ عنه بقوله: ... وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) ، أي: ولا تكونوا من الّذين ينقصون النّاس حقوقهم.
يقال لغة:"أخسر فلان الشّيء"، أي: نقصه.
أمرهم شعيب عليه السّلام بالوفاء، ونهاهم عن ضدّه الّذي هو الإخسار، وهو النقص، مع العلم به من الأمر بالوفاء، لأنّ الأمر بالشّيء نهي عن ضدّه بداهة، إلّا أنّ النّصّ تضمّن الدّلالة على أنّ شعيبا عليه السّلام قد كان خطيبا بارعا، ومن براعته في خطابته أنّه كان يأمر بالشّيء وينهى عن ضدّه، لإيضاح مقولاته إيضاحا لا يحتمل التأويل.
القضية الثالثة: دلّ عليها ما حكاه اللّه عزّ وجلّ عنه بقوله:
وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) ."القسطاس"فيها قراءتان بضمّ القاف