فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 707
وهذا من سنن اللّه في عباده الناتجة عن اختياراتهم الحرّة، بلا جبر ولا إلزام قهريّ، وهو كإحراق اللّه يد من يضع يده في النّار باختياره الحرّ.
قول اللّه عزّ وجلّ بشأن المجرمين الّذين يصلون إلى جحود الحقّ عنادا ومكابرة، ويكفرون بالقرآن مع فهمهم لقضاياه الدينيّة الّتي أبانها في آياته وسوره:
لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (201) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (202) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (203) :
فدلّ هذا البيان على أنّ التجربة في معالجة المدعوّين، متى قدّم المعالج فيها كلّ وسائل الإقناع الفكريّ بحججه وبراهينه، وكلّ وسائل الترغيب والترهيب، بما فيها ما يتيسّر من تأليف القلوب بعطاء مادّيّ، وكلّ ما يلزم من مجادلة بالّتي هي أحسن حتّى الإفحام، ثمّ تابع المعالج التذكير بما سبق عدّة مرّات دون جدوى، صار تغيير حالهم إلى الاستجابة أمرا ميؤوسا منه، بكلّ حديث بيانيّ، ولم يبق إلّا تخويفهم بقوابل العذاب الّذي كانوا قد أنذروا به ومقدّماته وعلاماته، فإذا رأوا هذه المقدّمات والقوابل قادمة إلى أرضهم ومساكنهم أو مواطن تجمّعهم، وأدركوا أنّ عذاب اللّه الأليم محيط بهم، ونازل عليهم لا محالة، فإنّهم عندئذ يؤمنون، لكنّ إيمانهم ساعتئذ لا ينفعهم ولا يرفع العذاب عنهم، لأنّه إيمان ناتج عن خوف من عذاب مشهود المقدّمات، فهو كالإيمان عند طلوع الرّوح من الجسد، وشهود شيء من مقدّمات عذاب الآخرة وأهوالها، والمطلوب في امتحان العباد أن يكون إيمانهم إيمانا بالغيب عن طريق البراهين الفكريّة، لا إيمانا عن طريق الشّهود بالحواسّ الظاهرة.
فدلّت عبارة: لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (201) على أنّ