فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 758
ذي قيمة حقيقيّة تعادل قيمة المتروك، أو تقاربها، وربما كان المعتنى به من سفاسف الأمور أو متاع الحياة الدّنيا السّريع الزّوال.
وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا: اشتغل النحويّون بتوجيه وجود الفاعل ضميرا متّصلا في وَأَسَرُّوا، ووجوده اسما ظاهرا في الَّذِينَ ظَلَمُوا وأوردوا وجوها إعرابيّة متعدّدة، وعند ابن هشام أنّ هذا على لغة من يقول من العرب:"أكلوني البراغيث"، وهي لغة عند"هذيل". وقد وصفهم اللّه بالظّلم لكفرهم بالحقّ، ولإرادتهم الصّدّ عن دين اللّه الحق.
النَّجْوَى: الإسرار بالحديث. وهنا يقال: إذا كانت النجوى الإسرار بالحديث، فلما ذا قال اللّه عزّ وجلّ: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى؟
أقول: في هذه العبارة دلالة على أنّهم بالغوا في إخفاء تناجيهم، حتّى عن جماهيرهم، لئلّا تعلم جماهيرهم ما تشاوروا فيه، لإشاعة ما يرجون التأثير به على العامّة من مقالات، لصدّ النّاس عن الاستجابة لدعوة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم.
وقد توصّلوا بعد تناجيهم الذي أسرّوه عن عامّتهم إلى إشاعة مقالتين، تبعتهما أربع مقالات:
فالمقالتان جاء بيانهما في هذه الآية الثّالثة، والمقالات الأربع الأخرى جاءت في الآية (5) الآتية.
المقالة الأولى: دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ: هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ؟ أي: هل هذا الّذي يدّعي أنّه رسول ربّ العالمين إلّا بشر مثلكم؟ فكيف يكون له قدرة على الاتّصال بعالم الغيب وتلقّي الوحي من ربّ العالمين.
لقد أعجبتهم هذه الفكرة، ورأوا أنّها صالحة لصدّ النّاس عن الإيمان به واتّباعه، بعد التّناجي السّرّيّ فيما بينهم، وسبق أن قالوها كما جاء في